فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 384

فالأول: الوصف الذي يفارق به الإنسان سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده الحارث بن أسد المحاسبي حيث قال في حدّ العقل: إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية، وكأنه نور يُقذف في القلب به يستعد لإدراك الأشياء ... الثاني: العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميِّز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد. وهو الذي عناه بعض المتكلمين حيث قال في حد العقل: إنه بعض العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ... الثالث: علوم تُستفاد من التجارب بمجاري الأحوال. فإن من حنَّكته التجارب وهذبته المذاهب يُقال: إنه عاقل في العادة. ومن لا يتصف بهذه الصفة فيُقال: إنه غبي غمْر جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يُسمّى عقلا.

الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها. فإذا حصلت هذه القوة سُمِّي صاحبها عاقلا من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة. وهذه أيضا من خواص الإنسان التي بها يتميز عن سائر الحيوان.

فالأول: هو الأسّ والسِّنْخ [1] والمنبع. والثاني: هو الفرع الأقرب إليه. والثالث: فرع الأول والثاني؛ إذ بقوة الغريزة والعلوم الضرورية تُستفاد علوم التجارب. والرابع: هو الثمرة الأخيرة والغاية القصوى. فالأولان بالطبع، والأخيران بالاكتساب )) [2] .

هذا، وبالإمكان أن نرد هذه الأنواع الأربعة للعقل إلى نوعين:

أحدهما: العقل الغريزي: وهو ما فُطر عليه الإنسان في أصل الخِلقة، ويصحبه منذ ولادته، وهو قسمان: أحدهما: آلة التمييز والإدراك، ومحله الدماغ [3] . والقسم الآخر: العلوم الأولية القابعة في هذه الآلة. كالعلم باستحالة اجتماع الضدين، وأن الشيء لا يكون موجودا ومعدوما في نفس الوقت، والعلم بأن لكل حادث سببا وعلة، وأن الواحد أقل من الإثنين، وأن الجزء أقل من الكل، وغير ذلك مما يُستدل عليه بالبداهة.

(1) السِّنْخ ـ بكسر السين وسكون النون: الأصل من كل شيء، والجمع: أسناخ وسُنُوخ. انظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 26.

(2) ، الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص 101،102. وانظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 23.

(3) وقد اختلفوا قديما في محل العقل هل هو القلب أم الدماغ، ولا وجه الآن في رأيي لهذا الخلاف، بعدما ثبت علميا الآن وبالوجه القاطع أن عمليات التفكير وخزن المعلومات واسترجاعها وغير ذلك إنما يكون في الدماغ. وأما نسبته، تعالى، عملية التعقل إلى القلب، لا سيما في قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج/46] ، فقد كان جريا على معهود العرب في نسبتهم ذلك إلى القلب، لا أكثر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت