فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 384

ما دلَّ عليه القياس مقصود للشارع صاحبِ النص المقيس عليه. وكل هذه الميزات والأوصاف لا تثبت للخطاب البشري.

والأمر الثاني: اختلاف الظرف الزمني والبيئة الخطابية لكليهما. فالنص الديني وُجد في مرحلة تاريخية معينة هي مرحلة الرسالة. وعليه كان هذا النص، بشقيه الكتاب والسنة، محكوما بالمعاني الشرعية والعرفية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، هذا فضلا عن البيئة والمخاطبين. أما كلام البشر فلا يحتكم لتلك الأعراف السابقة بل للعرف الذي تشكل هو فيه: إنْ ماضيا أو حاضرا. وعليه، تُقدَّم الحقيقة الشرعية على غيرها في كلام الشارع. بينما تُقدَّم الحقيقة العرفية على غيرها في كلام البشر.

نعم تطرق الأصوليون ـ لا سيما الحنفية ـ إلى تقرير كثير من القواعد التي تضبِطُ عملية التلقي الصحيحة لأقوال المكلفين. ولست أراه إلا استطرادا دفعهم إليه، تعلُّقهم بالفروع وانطلاقُهم منها من جهة، وانطباقُ القاعدة الأصولية، في كثير من الأحيان، على قول المكلف انطباقَها على قول الشارع من جهة أخرى.

الشرط الثاني: الاقتران:

أي بين الدليل ـ الذي هو القرينة ـ والنص.

وكما قلنا، عند عرض معنى القرينة في اللغة: إن هذا الاقتران: إما أن يكون بمعنى المصاحبة فتكون القرينة فاعلة، أو فاعلة ومفعولة معا، وإما أن يكون بمعنى الضم فتكون القرينة مفعولة فحسب: فكذلك نقول: إن القرينة أصوليا: إما أن تصاحب النص تلقائيا فتكون فاعلة، أو فاعلة ومفعولة معا. وإما أن تُضمَّ إليه بواسطة الغير فتكون مفعولة فحسب.

1.أما القرينة المقترنة بالنص تلقائيا أو (( المصاحِبة ) )، فمثالها القرائن العقلية عموما والتي تقترن بالنص بمجرد نظر المجتهد فيه: فمثلا عند نظر المجتهد في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف:82) ، يدله العقل أن المراد أهل القرية لا القرية ذاتها. ومثالها أيضا: القرائن الحالية التي تتعلق بالبيئة والظروف التي قيل فيها النص، لأنها تكون مقترنة بالنص تلقائيا فور صدوره عن المتكلم.

2.وأما القرينة التي تقترن بالنص بواسطة الغير أو (( المضمومة ) ): فهي نوعان:

أحدهما: قرينة تُضم إلى النص بواسطة صاحب النص أو المتكلم. كذِكْر ما يقتضي التخصيص أو التأويل بعد ذكر النص، أو كإصحاب النص صوتا مرتفعا أو غضبا أو إشارة باليد ونحو ذلك. ومن هذا القبيل كل القرائن التي يضمها المتكلم لخطابه ليزيد في بيانه، حالية كانت أو مقالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت