فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 384

والنوع الثاني: قرينة تُضم إلى النص بواسطة المجتهد الذي يعمد عند اجتهاده إلى ضم النصوص بعضها إلى بعض لاستثمار دلالتها مجتمعة، كما قلناه آنفا في اجتهاد علي، رضي الله عنه، في أقل مدة الحمل.

ومما قد يشير إلى هذه القسمة للقرينة من حيث كونها فاعلة أو مفعولة، قول أبو الحسين البصري في القرينة المخصِّصة للفظ العام: (( إن القرينة:

1.قد تكون سابقة للفظ العام، نحو خلْق العلم فينا، بأنَّ العاجز لا يكلف، أو نصْب دلالة على ذلك. وهذا أسبق من العموم )) . وهذه هي القرينة (( المصاحِبة ) ).

2. (( وقد تكون القرينة إشارة من المتكلِّم مِنَّا، متأخِّرة عن كلامه بزمنٍ يسير ) ). وهذه هي القرينة (( المضمومة ) )بفعل المتكلم.

3. (( وقد تكون القرينة من فعل غير المتكلم ) ) [1] . وهذه هي القرينة (( المضمومة ) )بفعل غير المتكلم كالمتلقي.

كل هذا من جهة فاعل الاقتران.

أما من جهة الاقتران نفسه فهو نوعان: حقيقي واعتباري:

فالاقتران الحقيقي: هو الذي يشمل جميع القرائن التي تزامن صدور النص عن الشارع. كالاستثناء وكل المخصِّصات المتصلة، والقرائن العقلية، وأكثر القرائن الحالية: كحال المتكلم والمخاطب وظرف الخطاب ... الخ

والاعتباري: هو ما لا يكون فيه اشتراك في الزمن، أو (( تزامُن ) )، بين القرينة والنص، وإنما يستصحبهما المجتهد معا عند نظره في النص، كالمنسوخ مع الناسخ، وكالتخصيص بالمنفصل من النصوص، وكالقرائن التي تُضم بفعل المجتهد.

ولا خلاف بين الأصوليين في الاعتداد بالاقتران الحقيقي عموما، أما الاقتران الاعتباري فقد حصل بينهم خلاف في الاعتداد بنوع أساس من أنواعه، وهو اقتران المُبيِّن بالمبيَّن. فالجمهور على جواز أن يكون الاقتران بينهما اعتباريا، بحيث لا يكون بينهما (( تزامن ) ). أما أكثر الحنفية والمعتزلة فلا يرونه بيانا إلا ما اقترن فيه المبيِّن والمبيَّن اقترانا حقيقيا. وهي المسألة الموسومة عند الأصوليين بتأخر البيان عن وقت الخطاب [2] .

(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 263.

(2) والمذاهب في هذه المسألة طرفان وواسطة: فأما الطرف الأول: وهم أكثر الشافعية والمالكية فقد ذهبوا إلى جواز تأخر البيان مطلقا. وأما الطرف الآخر: وهم أكثر المعتزلة والحنفية فقد ذهبوا إلى المنع مطلقا. وأما الواسطة، وهم شذوذ من الطرفين، فقد تفرقوا: فمنهم من أجاز تأخير بيان المجمل فقط، ومنهم من أجاز تأخير بيان العموم فقط، ومنهم من أجاز تأخير بيان الأوامر والنواهي دون الأخبار ومنهم من عكس ذلك، ومنهم من أجاز تأخير بيان المشترك فقط، وغير ذلك. وفائدة الخلاف أن القائل بجواز التأخير لا يشترط التساوي في قوة الثبوت بين المبيَّن والمبيِّن. وأما من قال بعدم جواز التأخير فالمبيِّن عنده ناسخ والمبيَّن منسوخ؛ ولذا يشترط فيه أن يكافئ المنسوخ من حيث قوة الثبوت. ومن هنا قال الحنفية بأن الزيادة المتأخرة عن النص نسخ لا بيان، وعليه فإنها لا تُعتبر ما لم يكن دليلها في قوة ثبوت النص. انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 494 ـ 501. والرازي، المحصول، ج 1، ص 477 ـ 498. والسرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 28 ـ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت