فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 384

والعقلية هي: الأدلة العقلية إذا دلت على خلاف ظاهر الكلام )) [1] .

وقال الرازي: (( القرينة: قد تكون عقلية، وقد تكون سمعية.

أما القرينة العقلية: فإنها تبين ما يجوز أن يُراد باللفظ مما لا يجوز )) [2] .

فمثلا، في قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (الزمر:62) ، نعلم بقرينة العقل أن ذات الله، سبحانه وتعالى، خارجة عن عموم قوله (( كل شيء ) )، لأن الشيء لا يخلق ذاته، وهذا من بدهيات العقل. وعلى هذا فالدليل العقلي الذي اقترن بالآية خص هذه الآية بما دون الباري سبحانه وتعالى، والتخصيص كما تعلم هو نوع تأويل. هذا، ولقد أعمل المعتزلة عقلهم النظري في هذه الآية فأخرجوا من عمومها أفعالَ العباد، قائلين: إن العباد هم الذي يخلقون أفعالهم بمعنى أنهم يوجدونها من العدم. وذلك لأن أفعال العباد منها ما هو معصية، ويقبح من الله تعالى أن يخلق المعصية، كما يقبح منه، سبحانه، أن يخلق المعصية ثم يحاسب صاحبها عليها.

ومن خلال هذا المثال يظهر لدينا أن القرينة العقلية المؤثِّرة على النص نوعان:

أحدهما: عقلية محضة. وهي التي يُستخدم فيها بالتأثير على النص العلومُ البدهية التي فُطر عليها الإنسان، أي التي يُستخدم فيها مجرد العقل الغريزي.

والنوع الثاني: عقلية نظرية. وهي التي يُستخدم فيها بالتأثير على النص العلومُ النظرية، قطعية كانت أو ظنية، أي التي يُستخدم فيها العقل المكتسب.

رابعا: القرينة العقلية، وعلاقتها بغيرها من القرائن:

القرينة العقلية في لغة الأصوليين لا تكافئ (( الأداة العقلية ) )التي عرّفنا بها وبدورها في عملية تدبر الخطاب آنفا. وذلك لأن الأداة العقلية، عندنا، حاضرة وموجودة في جميع المستويات التي يُتدبَّر النص من خلالها: حاضرة عند تدبر النص في مستواه المقالي، وعند تدبره في مستواه السياقي، وعند تدبره في مستواه الحالي. وعليه فالقرائن جميعها مقالية وسياقية وحالية بحاجة إلى العقل أو الأداة العقلية. أما القرينة العقلية في لغة الأصوليين، فالذي يظهر لدينا أنها فقط تختص ببروز دور العقل ـ المقابل للسمع ـ في تكوينها. قال د. عبده زايد بعد أن قسَّم القرائن إلى لفظية وعقلية وحالية: (( ليس معنى هذا التقسيم أن القرائن غير العقلية لا تحتاج إلى العقل أو أن العقل يغيب عنها. إن سلطان العقل قائم في كل قرينة حتى القرائن اللفظية الواضحة، فالقرينة أيا كانت دليل، والدليل والاستدلال من عمل العقل، غير أن هذا الأمر قد يكون مستندا إلى العقل وحده. فيكون الدليل ـ أو القرينة ـ عقليا، وقد يكون مستندا إلى العقل وإلى شيء

(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 358.

(2) الرازي، المحصول، ج 2، ص 497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت