والدليل العقلي هو ما دل على الشيء بنفسه من غير حاجة إلى السمع أو الوضع، كدلالة حدوث الكون على وجود الباري، سبحانه وتعالى، وكدلالة إحكام الكون ونظامه على اتصافه، سبحانه وتعالى، بصفة العلم. فلو فرضنا عدم وجود أدلة سمعية على وجود الباري وعلمه، سبحانه وتعالى: كقوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (الزمر:62) ، وقوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحجرات:16) لاستطاع العقل بمجرده أن يستدل على أن ثمة خالقا لهذا الكون وعلى أن هذا الخالق يتصف بصفة العلم، وذلك من خلال النظر في الكون نفسه.
قال إمام الحرمين: (( الأدلة العقلية هي التي يقتضي النظر التام فيها العلم بالمدلولات. وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها ولا يجوز تقديرها غير دالة، كالفِعل الدال على القادر، والتخصيص الدال على المُريد، والإحكام الدال على العالِم. فإذا وقعت هذه الأدلة دلت لأعيانها من غير حاجة إلى قصد قاصد إلى نصبها أدلة. وأما السمعيات فإنها تدل بنصب ناصب إياها أدلة، وهي ممثلة باللغات والعبارات الدالة على المعاني عن توقيف من الله تعالى فيها أو اصطلاح صدر عن الاختيار ) ) [1] .
وما يثبت عقلا: إما أن يكون بدهيا، أو باللغة الأصولية، ضروريا. وإما أن يحتاج معه المرء إلى إعمال الفكر فيكون نظريا. وما يثبت بداهة يثبت قطعا، وأما ما يثبت نظريا فقد يكون قطعيا وقد يكون ظنيا، وذلك بحسب المقدمات التي ينبني عليها.
فالبدهي كحكمنا بأن الجزء أقل من الكل، وهذا حكم قطعي.
والنظري القطعي كحكمنا بأن أ = ج، بعد علمنا بالمقدمتين التاليتين: أ = ب، ب = ج.
والنظري الظني كحكمنا بأن النبيذ حرام، بعد علمنا بالمقدمتين التاليتين: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام. ومنشأ الظن في هذا المثال هو المقدمة الثانية، إذ كون كل مسكر حراما لم يثبت بدليل قطعي بل بدليل ظني هو خبر واحد.
وإذا تساءلت عن علاقة القرينة العقلية بهذا كله فاعلم بأن القرينة العقلية في لسان الأصوليين هي نوع خاص أو حالة خاصة من حالات الدليل العقلي، وهي حالة ما إذا اقترن هذا الدليل بالنص فأثر على دلالته بالتأكيد، أو التكميل، أو التأويل، أو الترجيح [2] . قال أبو الحسين البصري: (( القرائن ... ضربان: عقلية وشرعية:
فالشرعية هي: بيان نسخ أو بيان تخصيص أو غيرهما من وجوه المجاز.
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 121.
(2) لاحظ أنا استثنينا (( التفسير ) )من بين الآثار، وذلك لأن تفسير (( المجمل ) )ـ في اصطلاحنا ـ لا يكون إلا بدليل سمعي.