المقصد الأول
قسمة مختارة للنصوص من حيث درجة وضوحها وغموضها، مع بيانٍ مجمل لأثر قرائن الدلالة على كل قسم منها
ولن نعوِّل في هذه القِسمة على تقسيم الحنفية [1] ، ولا على تقسيم الشافعية [2] ، وإنما سنحاول، إلى حدٍّ ما، التوليفَ بينهما للخروج بتقسيم معتدل يخدم غرضنا في توضيح أثر قرائن الدلالة على النص. فنقول:
الألفاظ: مفردة ومركبة: إما أن تكون واضحة في الدلالة على المعنى المراد منها [3] ، وإما لا. وعليه، فهي قسمان:
(1) وهم يذكرون في هذا المقام ثماني درجات للألفاظ تتدرج من أوضح الواضحات إلى أخفى الخفيات كالتالي: المحكم، المفسر، النص، الظاهر، الخفي، المشكل، المجمل، المتشابه. [انظر: البزدوي، أصول البزدوي، ج 1، 83] . ولنا على هذا التقسيم، وإن شُغِف به غالبُ المعاصرين، اعتراضات عدة: منها: كون الاصطلاحات التي استُخدمت فيه نادرة الاستعمال في اللغة الأصولية حتى عند الحنفية أنفسهم، كما أوضحنا ذلك بالنسبة لمصطلح النص في الباب الأول عند الحديث عن تعريف الحنفية له. وعليه، يؤدي اعتماد هذا التقسيم والتركيز عليه لاسيما في الكتب التعليمية ـ كما هو الحاصل من كثير من المعاصرين الذين ألَّفوا في الأصول ـ إلى قطع التواصل بين اللغة الأصولية الحديثة واللغة القديمة، وهو أمر له مثالبه التي لا تخفى من الناحية العلمية والتعليمية. ومنها: أنه جعل اللفظ المحتمِل للتأويل في درجتين هما الظاهر والنص، وجعل الفرق بينهما هو القصد من سوقهما أصالة أو تبعا. والحق أن ثمة قرائن كثيرة ـ غير (( القصد من السوق ) )ـ تؤثر على قوة ووضوح اللفظ المحتمل للتأويل، فرُبَّ لفظٍ مقصود تبعا كان أوضح وأبعد عن التأويل من لفظ آخر مقصود أصالة لاقترانه بواحدة من تلك القرائن. وإذن، فاعتماد الحنفية لقرينة (( القصد من السوق ) )وحدها، دون غيرها مما قد يضاهيها، كوسيلةٍ في زيادة درجة وضوح النص تحكُّمٌ يُضعف القِسمة. ومنها: اعتمادهم على قابلية اللفظ لاحتمال النسخ وعدمه للتفريق بين المفسَّر والمحكم، مع أن قبول النسخ وعدمه موضوع خارج عن وضوح اللفظ في نفسه وخفائه. ومنها إدراجهم لـ (( الخفي ) )مع اعترافهم بأن خفاءه لا يعود إلى اللفظ أو الصيغة بل إلى أمر من خارج مع أن القسمة موضوعة ـ أو هذا هو الأصل فيها ـ لخفاء الألفاظ ووضوحها في أنفسها. هذا، وقد اعترف عبد العزيز البخاري بأن تقسيمات الحنفية للألفاظ عموما هي تقسيمات غير خاضعة للمعايير المنطقية المشروطة في التقسيم المنطقي الصحيح، واعتذر عن ذلك بأن الحنفية تمسكوا بها نتيجة للاستقراء؟! انظر: البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 84 - 86.
(2) وهم يذكرون في هذا المقام: النص والظاهر في قسم الواضحات، والمؤول والمجمل في قسم الخفيات. ويذكر بعضهم: المحكم والمتشابه على خلافٍ جمٍّ فيما هو المقصود منهما. انظر: الرازي، المحصول، ج 1، ص 81،82. والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 436. و: ج 1، ص 450.
(3) ولقد خصصنا هذه القسمة بـ (( دلالة النص على المعنى المراد منه ) )، ولم نطلقها في الدلالة على المعنى عموما، أي لم نقل (( دلالة النص على المعنى ) )هكذا من غير تقييد المعنى بكونه مرادا، لما سبق أن أوضحناه في الباب الأول من هذه الدراسة قُبيل تعريف النص، من نسبية الدلالة في النص الشرعي بحسب المعنى المدلول عليه. أي أن نصا ما قد يكون ظاهرا في معنى من المعاني، وفي الوقت نفسه، يكون مجملا أو قاطعا في معنى آخر، بل هذا هو الغالب في النصوص.