فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 384

الاستعمال لا تكون إلا للألفاظ الواضحة في معانيها، أي الظاهر، و (( النص ) )، أما شيوع الاستعمال فيكون للألفاظ الواضحة، ويكون، أيضا ـ لكن بدرجة أقل ـ للألفاظ الغامضة في معانيها كالمشترك والمؤول، فغموض هذه الألفاظ في معانيها لا يخرجها عن كونها متواضَعا عليها بلا شك. فمثلا لفظ (( الطاهر ) )يُطلق في عُرف الشارع على الخالي عن الحدث الأكبر، وعلى الخالي عن الحدثين الأكبر والأصغر، وعلى الخالي عن التلبس بنجس، وعلى الطاهر معنويا كالمؤمن، وقد زعم الشوكاني أن لفظ (( الطاهر ) )مشترك شرعي بين هذه المعاني الأربعة فلا يُحمل اللفظ إذا ورد في كلام الشارع ـ كقوله، صلى الله عليه وسلم: (( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ) [1] ـ على أي منها إلا بدليل [2] . فلو سلمنا ما قاله الشوكاني [3] لما كان اللفظُ موضوعا وضعا شرعيا لأي من المعاني المذكورة على رأي القرافي؛ لأن اللفظ لم يغلب استعماله في أحد هذه المعاني المذكورة، بل هو مستعمل فيها على السواء. مع أنه، في واقع الأمر، موضوع لها جميعا وضعا شرعيا متعدِّدا.

خامسا: أقسام التواضع:

التواضع بمعنى (( شيوع استعمال المادة اللغوية بين أهل التخاطب في الدلالة على المعنى ) )قسمان كما قال المتأخرون من الأصوليين:

(( قسمٌ يُلاحظ فيه خصوص اللفظ عند الوضع.

وقسمٌ لا يُلاحظ فيه خصوصيته، بل الملحوظ فيه مفهومٌ كلي يندرج فيه ألفاظ كثيرة ويُجعل كلٌّ منها في تلك الملاحظة الإجمالية بإزاء معنى ملحوظ إجمالا )) [4] .

فالأول: هو (( الوضع الشخصي: وهو وضع اللفظ بهيئته ومادته لمعنى. ومثلوا له بالأسماء الجامدة [غير المتصرفة، كإنسان وآدم] أعلاما كانت أم أسماء أجناس. فالوضع في كلمة

(1) رواه مالك في الموطأ مرسلا، ج 1، ص 199، وغيره، من كتاب عمرو بن حزم. قال ابن عبد البر: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب؛ فإن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، ج 1، ص 259 وما بعدها.

(2) انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، ج 1، ص 259.

(3) وهو ليس بمسلَّم، إذ من الوضوح بمكان أن الطاهر (( مؤول ) )في الدلالة على المؤمن، إذ هو تصرفٌ مجازيٌ محدودُ الأمثلة في كلام الشارع. أما إطلاق الطاهر على باقي المعاني فقد يكون بالاشتراك كما قال الشوكاني، وقد يكون إطلاق الطاهر على المتوضئ أظهر من غيره، كما هو رأي المحرِّمين لمسِّ المصحف لغير المتوضئ وهم الجمهور، ولن نستطيع أن نعرف ما هو الأقرب إلى الصواب حتى نقوم بمسح شامل لإطلاقات الطاهر في النصوص الشرعية وفي أقوال الصحابة، فنرى أي المعاني هي التي استعمل الشارع والصحابة فيها لفظ الطاهر أكثر من غيره.

(4) أمير بادشاه: محمد أمين، تيسير التحرير، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت