فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 384

إذن، فالأدلة البسيطة في واقع التطبيق قد لا تفي آحادها في الدلالة على المطلوب، ولذا يعمد الإنسان، بواسطة العقل، إلى تركيب بعضها على بعض: إما لتقوية إفضائها إلى المدلول، وإما لجعل بعضها ينبني على بعض على هيئة مقدمات منطقية تترتب عليها نتائج ظنية أو قطعية. وقد يستند بعض هذه المقدمات إلى الدلالة الطبيعية وبعضها الآخر إلى الدلالة العقلية أو الوضعية فيكون الدليل الواحد، ككل، مشتملا على أكثر من نوع من أنواع الدلالة.

وبما أن القرينة دليل، وبما أن دلالة الدليل تنقسم إلى الأنواع الثلاثة التي ذكرنا: العقلية، والطبيعية، والوضعية، فكذلك القرائن قسَّمها البعض من حيث دلالتها إلى ثلاثة أنواع: عقلية، وحالية، ومقالية. لكن لا تظن بأن التقابل بين كل نوع من أنواع القرائن وبين ما يناظره في أنواع الدلالة هو تقابل تام ومتطابق، وذلك لما وضحناه من أن قسمة الدلالة إلى أنواعها الثلاثة هي قسمة تبسيطية تجريدية لا تصف ما يحدث في الواقع فعلا بتعقيداته وتركيباته. ومن هنا لا نستطيع الزعم بأن القرائن العقلية تعتمد على العقل مجردا دون الطبع أو الوضع، وكذلك القرائن الحالية لا نستطيع الزعم بأنها تعتمد على الطبع مجردا دون العقل أو الوضع، وكذلك القرائن المقالية لا نستطيع الزعم بأنها تعتمد على الوضع دون العقل أو الطبع. وإنما القضية هي غلبة اعتماد، أو بروز دور، فحسب، أي أن غالب ما تعتمد عليه القرائن العقلية هو العقل، وغالب ما تعتمد عليه القرائن الحالية هو الطبع، وغالب ما تعتمد عليه القرائن المقالية هو الوضع. والله أعلم.

الشرط الأول: وجود النص أو(( المقترَن به )):

النصُّ هو قرينُ القرينة، ورفيقها، ومحل تأثيرها، وميدان عملها، ولولا اقترانها به لما سُميت قرينة.

والذي يلوح لنا أن النصوص في علاقتها مع بعضها البعض ثلاثةُ أقسامٍ في نظر المجتهد: مُبتَدَأ، وقرينة، وكليهما.

1.فالنص المُبتدَأ: هو النص الذي يَنظر إليه الفقيه لتقرير حكمٍ ما ابتداء، وهو نوعان:

أحدهما: مكتفٍ بنفسه، أي أنه أفاد الحكم جميعه من غير احتياج لغيره من النصوص، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت