فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 384

أما أصوليو الحنفية فلا خلاف بينهم في أن النص، وهو عندهم: اللفظ: الواضح، المحتمِل، المقصود أصالةً من السوق ـ والذي يندرج في الظاهر عند الجمهور ـ يدخل في الصريح. أما الظاهر، وهو عندهم: الواضح، المحتمِل، غير المقصود أصالة من السوق، فلا يدخل فيه [1] .

ولا مشاحَّة في كل هذه الاصطلاحات التي قلناها إذا كانت مجرد استخدامات أو اصطلاحات (( مقترحة ) )للفظ الصريح، وجزءٌ منها هو بالفعل كذلك. أما إذا كانت (( توصيفا ) )لما يقوله الفقهاء في بعض الألفاظ، كلفظ الطلاق والبيع والنكاح،: إنه صريح، ويميزونها بأنها تترتب عليها أحكامها المنوطة بها من غير نظر في نية المتكلم أو القرينة ــ فهي في محل النظر؛ إذ ليست الألفاظ التي يذكرها الفقهاء قاطعة تماما بمعناها، كما هي ألفاظ الأعداد مثلا، بل منها ما يقبل التأويل ولو على بُعد، كما في قول القائل (( أنتِ طالق ) )، وقصدُه من وثاق. وليست هي، من جهة أخرى، ظاهرة، أيَّ ظهور، كظهور اللفظ العام في الاستغراق مثلا، أو الأمر في الوجوب. وإنما هي في أعلى درجات الظهور. وعليه، فالصريح في اللغة الفقهية ـ فيما أراه ـ يشمل القاطع وما دنا منه فحسب لا كل ظاهر.

ثالثا: المعيار في صراحة اللفظ وغموضه:

الظهور في الأشياء، عموما، نوعان: حسّي ومعنوي. والحِسِّيات يُقاس ظهورها بسرعة استشعار الحاسة لها، أما المعنويات ـ ومنها معاني الألفاظ ـ فيُقاس ظهورها بسرعة إدراك العقل لها. وبما أن صراحة اللفظ إنما تعني ظهوره في معناه، فمعيار هذه الصراحة، إذن، هو نفسه معيار الظهور. وهو، بعبارة جامعة: سرعة إدراك المتلقي ـ عند تلقيه اللفظ مجردا ـ المعنى الذي قصده المتكلم من هذا اللفظ، أو هو، بعبارة أخرى: سرعة إفضاء اللفظ، بذاته، إلى المعنى الذي قصده منه المتكلم، عند تلقي المتلقي له سمعا أو نظرا. ويشير إلى هذا المعيار تعريفُ الزركشي للصريح بأنه: (( اسمٌ لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى أفهام السامعين المراد منه ) )فجعل سبق المراد منه إلى فهم السامعين علامة ظهوره وصراحته. ومن هنا، قال الفقهاء: التبادر أمارة الحقيقة. أي أن سرعة إدراك معنى ما من لفظ ما من قبل السامعين علامة كون هذا اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي الظاهر المتواضع عليه بين الناس.

(1) قال البزدوي: (( أما الصريح فما ظهر المراد منه ظهورا بينا ) ). قال البخاري شارحا: (( أي انكشف انكشافا تاما، وهو احترازٌ عن الظاهر ) ) [كشف الأسرار، ج 1، ص 166] . وقال ابن أمير الحاج الحلبي: (( لكن أخرجوا [أي الحنفية] من الصريح الظاهر، على هذا التعريف، لأن الظهور فيه ليس بتام، ولا فرق بين الظاهر والصريح إلا بعدم القصد الأصلي في الظاهر بخلافه في الصريح ) ). [ابن أمير حاج الحلبي: محمد بن محمد، التقرير والتحبير شرح التحرير، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1996 م، ج 2، ص 50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت