لكن يظهر من استخدام بعض الأصوليين، للفظ (( صريح ) )في بعض المواطن أنهم يقصرونه على اللفظ القاطع في معناه أو (( النص ) )، وبالتالي يُخرجون الظاهر منه [1] . وفي مواطن أخرى يظهر أنهم يدرجون الظاهر فيه [2] .
وبعض الأصوليين، من جهة أخرى، يطلقون (( الصريح ) )على ما دل بالمطابقة أو التضمن فقط دون ما دل بالالتزام حتى لو كان قاطعا [3] .
(1) كما في قول إمام الحرمين، وهو بصدد بيان أن سبب الورود لا يجوز إخراجه عن مقتضى اللفظ العام: (( لا يجوز إخراج سبب اللفظ [العام] بطريق التخصيص عن مقتضى اللفظ. فهو إذًا صريحٌ في سببه، ظاهرٌ في غيره، على ما ارتضيناه ) ) [البرهان، ج 1، ص 256] ، وفي قول ابن السمعاني، وهو بصدد بيان أن المطلق يُحمل على المقيد: (( إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد، وإذا اعتبرنا المقيد ... في إثبات الحكم اعترضنا على المطلق. ولا بد من واحد منهما، والثاني أولى؛ لأن الأمر المقيد صريحٌ في وصف التقييد ... وأما المطلق فظاهر ... وليس بصريح ... فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر، وبالنص على العام أولى؛ لأن الخاص مقدمٌ على العام، والصريحُ مرجحٌ على الظاهر ) ) [قواطع الأدلة، ج 1، ص 232] . وفي قول الغزالي، وهو بصدد رفض الإجماع السكوتي: (( والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في المسألة إلا إذا دلت قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين الرضا وجواز الأخذ به عند السكوت. والدليل عليه أن فتواه [أي المجتهد] إنما تُعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمالٌ وتردُّد، والسكوتُ مُتردِد، فقد يسكت من غير إضمار الرضا ) ) [المستصفى، ج 1، ص 191] ، وفي قوله، أيضا، وهو بصدد ذكر شروط المجتهد: إنه ينبغي أن يَعْلَمَ (( اللغةَ والنحوَ. أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حدٍّ يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامّه وخاصّه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه ) ) [المستصفى، ج 2، ص 352] ، وفي قوله: (( ولو شُرط في النص انحسام الاحتمالات البعيدة، كما قال بعض أصحابنا، فلا يُتصور لفظٌ صريح ) ) [المنخول، ص 166] . وفي قول السيوطي: (( الصريح: اللفظ الموضوع لمعنى ولا يُفهم منه غيره عند الإطلاق ) ). [السيوطي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 ه، ص 293] .
(2) لا سيما عند حديثهم عن مسلك النص في مسالك التعليل. قال الغزالي: إثبات العلة بالدليل النقلي (( إنما يُستفاد من: صريح النطق، أو من الإيماء، أو من التنبيه على الأسباب. وهي ثلاثة أضرب. الضرب الأول: الصريح: وذلك أن يَرِدَ فيه لفظُ التعليل: كقوله لكذا، أو لعلة كذا، أو لأجل كذا، أو لكيلا يكون كذا، وما يجري مجراه من صيغ التعليل ... إلا إذا دل دليل على أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا، كما يُقال لِمَ فعلت؟ فيقولُ لأني أردت أن أفعل، فهذا لا يصح أن يكون علة، فهو استعمال اللفظ في غير محله ) ). [المستصفى، ج 2، ص 288] . وقال الآمدي: (( المسلك الثاني: النص الصريح: وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال ) ). قال الأبياري: (( ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل بل المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى ) ). [انظر: الإحكام، ج 3، ص 364. و الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 187] . وقال العُكبري في تعريف (( النص ) ): (( النَّص: ما رُفع بيانه إلى أقصى غاية. وقيل: ما كان صريحا في حكم من الأحكام، وإن كان اللفظ محتملا لغيره ) ). [العكبري، رسالة في أصول الفقه، ص 105] .
(3) كالشاطبي إذ قال: (( الأوامر والنواهي ضربان: صريح، وغير صريح ) ). وفسّر ذلك بما حاصله: أن الصريح ما دل بصيغته على الطلب، وغير الصريح ما دل بلازمه. وهو ضروب: منها، مثلا، (( ما يتوقف عليه المطلوب كالمفروض في مسألة (( ما لا يتم الواجب إلا به ) )... الخ )) . [انظر: الموافقات، ج 3، ص 144 ـ 156] . وكما في قول الشوكاني: (( المنطوق ينقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص. الثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر. والأول، أيضا، ينقسم إلى قسمين: صريح إن دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام. وغير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء، وإيماء، وإشارة ) ). [إرشاد الفحول، ص 302] .