بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وآله ومن والاه، وبعد:
فبِمثابَة الأُسّ للبُنيان، والسَّاق للأغصان، هو النَّص ـ كتابا وسنة ـ للحضارة الإسلامية عامَّة، وللفكر الإسلامي خاصَّة. فكل الإبداعات العِلمية والتشريعية والتربوية والتنظيمية ... الخ التي قدَّمتها وتُقدِّمها وستقدِّمها هذه الحضارة على مرِّ الدهور انبثقت وتنبثق عن النَّص، إمّا صَراحةً كانبعاث الضِّياء عن الشَّمس، وإمّا ضمْنا كنُتُوج ماء المطر عن البحر. قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89) ، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم:1) .
ولهذا، وفي سبيل إنتاج مادَّتِهم الحضارية، كان ـ وما زال ـ ديدنُ علماء المسلمين العملَ على (( تثوير ) )النَّص واستثماره للوصول إلى كلّ ما يمكنهم الوصول إليه من إمكاناته الدلالية. وفي هذا السِّياق برزت حاجتهم إلى (( علم أصول الفقه ) )لـ (( ضبط ) )عملية الاستدلال بالنص، من جهة، ولرسم منهج يعين على الاستدلال الصحيح لناشديه من جهة أخرى، إذِ الأصول (( يُقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين ) )كما قال الغزالي [1] .
هذا، ولقد جاء المنهج الذي رسمه الأصوليون للتعامل مع النص المراد الاستدلال به متدرِّجا ضمن أربع مراحل متتابعة:
• مرحلة التحقُّق من ثبوت النص المستدَلّ به،
• ومرحلة التحقُّق من دلالته على المعنى المطلوب،
• ومرحلة التحقُّق من كونه محكما غير منسوخ،
• وأخيرا مرحلة التحقُّق من كونه راجِحا على ما يعارضه من نصوصٍ أخرى.
فإذا تمّ التحقُّق من كون النص (( ثابتا ) )، ثم (( دالا ) )، ثم (( محكما ) )، ثم (( راجحا ) )فحينئذٍ ـ وحينئذٍ فقط ـ يصحّ الاستدلال به على المعنى المطلوب.
(1) الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد، المستصفى في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، ط 2، ص 342.