فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 384

وفي كل مرحلة من هذه المراحل، تلعب (( القرائن الأصولية ) )دورًا أساسيا في التأثير على النص: ثبوتا أو دلالة أو إحكاما أو رجحانا. فغاية النظر في القرائن هي حصول التلقِّي الصحيح للنص، أو بلغة أُصولية جدلية، (( تسليم الاحتجاج بالنَّص على المطلوب ) ). إذ القرائن مرشِّحات وموجِّهات للنص لا يُقبل النص في دلالته على المطلوب حتى يمرَّ خلالها ويتأثر بتوجيهها. فأول هذه المرشِّحات والموجِّهات هي قرائن الثبوت وعدمه. وهدفها ميْزُ النص الثابت عن الشارع من غير الثابت، مع بيان مدى قوة الثبوت. فإذا ثبت النص جاء دور المرشِّحات والموجِّهات الثانية وهي قرائن الدلالة. وهدفها بيان كون النص دالا على المعنى المدَّعى أم لا. فإذا كان النص دالا على المطلوب جاء دور المرشحات والموجِّهات الثالثة، وهي قرائن الإحكام والنسخ. وهدفها بيان كون النص منسوخا أم لا. فإذا كان النص محكمَا غير منسوخ جاء دور المرشحات والموجِّهات الأخيرة وهي قرائن الترجيح وعدمه. وهي التي توازن بين النص: (( الثابت ) ) (( الدال ) ) (( المُحكم ) )، وبين أمثاله من النصوص المعارضة له في دلالته. فإذا لم يكن للنص معارض، أو كان لكن النص ترجَّح عليه بقرائن الترجيح، فحينئذٍ، وحينئذ فقط، يسلم الاحتجاج به على المطلوب كما أسلفنا.

ولأجل هذا الدور المهم للقرينة في جميع مراحل الاحتجاج بالنص: مرحلة الثبوت، ومرحلة الدلالة، ومرحلة الإحكام، ومرحلة الرجحان، فإن مسمَّى (( القرينة ) )ينتشر في الكتب الأصولية طولا وعرضا، بحيث لا يكاد يخلو مبحث أصولي من الاشتمال عليه صراحةً أو ضمنًا. وهذا يوقفنا على مدى الحاجة العلمية لإيجاد نظرية عامة في القرائن تلم أشتاتها، وتبين أنواعها وأركانها وشروطها وتقسيماتها وآثارها. ولأجل هذا كانت هذه الدراسة.

إذن هدفنا في هذه الدراسة هو استقراء المنهج الأصولي في بحث القرائن، بغية تشييد نظرية أصولية عامة في هذا المجال. ومن شأن هذا الأمر أن يحقِّق الفوائد التالية:

• أولا: نظم جزئيات البحث الأصولي في القرائن المتفرقة في أبواب كتب الأصول وفصولها المختلفة ضمن بحث كلي واحد. أي رد جزئيات القرائن إلى كليها. ولا يخفى مدى أهمية البحث التنظيري الكلي في إعطاء تصوُّرٍ أشملَ وأدقَّ عن الموضوع محلِّ البحث.

• ثانيا: استثمار هذه النظرية في رسم معالم منهج التلقي الصحيح للنص من وجهة أصولية، حيث قمنا ببحث (( قرائن الدلالة ) )ضمن ما أسميناها بالأدوات اللازمة لتلقي الخطاب.

• ثالثا: إلقاء الضوء على الجهود الأصولية المبدعة في مجال القرائن.

وأَشَدُّ القَرائن خطرًا، وأكثرها أهمية، وأوسعها بابًا، وأعمُّها انتشارًا، وأكثرها تنوعًا، وأحقُّها دراسة، (( قرائنُ الدلالة ) )، وهي تلك القرائن التي تَحْتَوِشُ بالنَّص فَـ (( تُؤكِّد ) )دلالته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت