أو (( تكمِّلها ) )أو (( تؤوِّلها ) )أو (( تفسِّرها ) )أو (( ترجِّحها ) ) [1] . ومن هنا كان لهذه القرائن نصيبُ الأسد في دراستنا هذه.
هذا، ولقد اعتمدت في دراستي هذه منهجا يقوم على الأسس التالية:
أولا: الاستقراء والتقسيم والسَّبر. وذلك عن طريق جمع مفردات القضايا محلِّ البحث جمعا شاملا، ثم تقسيم هذا المجموع وتبويبه، ثم الدراسة التفصيلية لكل قسم. وأجدني هنا مدفوعا إلى الاعتراف بأني على الرغم من كوني لم آلُ جهدا في الاستقراء ثم التقسيم، فقد قصَّرت في السَّبر والتعمُّق في مواطن عدّة. وما هذا إلا لأني هدفت في هذه الدراسة إلى التمهيد لتأسيس نظرية أصولية عامة في القرائن، والبحث التنظيري لا يحتمل التفصيل في الفروع والجزئيات، لا سيما وهي كثيرة ومتشعبة.
ثانيا: تحديد الاصطلاحات. بأن أحدِّد معاني الاصطلاحات التي أستخدمها في ثنايا البحث. وهذا من الأهمية بمكان لا سيما في علم أصول الفقه، الذي أغلب ما يثور فيه من الخلاف هو من نوع الخلاف اللفظي الذي يسببه عدم وضوح الاصطلاح، حتى قال الدكتور عبد الكريم النملة في مقدمة كتابه: الخلاف اللفظي عند الأصوليين: (( وقد بلغ مجموع الخلافات التي درستها في هذا المجلد ـ فيما يخص المقدمات والحكم الشرعي ـ خمسا وخمسين خلافا: منها تسع وأربعون خلافا بان، بعد التدبُّر والتدقيق، أن الخلاف لفظي لا ثمرة له ) ) [2] . وقال الغزالي من قبل: (( معظم الأغاليط والاشتباهات ثارت من الشغف بإطلاق ألفاظ دون الوقوف على مداركها ومآخذها ) ) [3] . وقال، وذلك قبل أن يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: (( قبل أن أناقش أي شيء معك، عليك أن تحدِّد ألفاظك ) ) [4] ـ قال: (( إنما منشأ الإشكال التخاوضُ في الأمور دون التوافق على حدودٍ معلومة لمقاصد العبارات فيُطلق المطلق عبارة على معنى يقصده، والخصم يفهم منه معنى آخر يستبد هو بالتعبير عنه، فيصير به النزاع ناشبًا قائمًا لا ينفصل أبد الدهر ) ) [5] .
ثالثا: الوسطية. أي في الاختيار والترجيح والتوفيق بين المذاهب والآراء والأقوال، لأن الرأي الوسط، في الغالب، هو الذي يحوز على الصواب ويجمع بين جميع الأطراف. ومن هنا قال إمام الحرمين بعد أن فصَّل القول في حكم أفعال النبي، صلى الله عليه وسلم:
(1) وسنأتي على تمام القول في التأكيد والتكميل والتأويل والتفسير والترجيح في موضعه من هذه الدراسة.
(2) النملة: عبد الكريم بن علي بن محمد، الخلاف اللفظي عند الأصوليين، مكتبة الرشد، الرياض، ط 2، 1420 ه=1999 م، ج 1، ص 10.
(3) الغزالي: محمد بن محمد، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، ط 1، رئاسة ديوان الأوقاف، العراق، 1391 ه، ص 420.
(4) روبي: ليونيل، فن الإقناع، المرشد إلى التفكير المنطقي، ترجمة د. محمد العريان، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1961 م. ص 63.
(5) الغزالي، شفاء الغليل، ص 588.