فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 384

القاضي وصفٌ لا يبلغ مبلغ العيان. والذي يُفضي بالمعاين إلى درْك اليقين يدِقُّ مدركُه عن عبارة الوصَّافين. ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة، وأحدِّهم ذهنا: افصِلْ بين حُمرة الخَجَل وحُمرة الغَضَب وبين حُمرة المرعوب، لم تساعدْه عبارةٌ في محاولة الفصل، فإن القرائن [أي: الحالية] لا تبلغها غايات العبارات ... وكلُّ قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تُحد بحدّ أو تُضبط بعدّ )) [1] . وقال الغزالي: في دلالة (( صيغ العموم ) )على الاستغراق والشمول: (( إنَّ قصد الاستغراق يُعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف، بل هي كالقرائن التي يُعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان، وكما يُعلم قصد المتكلم إذا قال: السلام عليكم، أنه يريد التحية، أو الاستهزاء واللهو ) ) [2] . وقال أيضا: (( القرينة: إما لفظ مكشوف ... وإما إحالة على دليل العقل ... وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها ) ) [3] . وقال التلمساني عندما قسّم القرائن إلى: لفظية وحالية وسياقية وخارجية: (( [ثانيا:] القرائن الحالية: وهي قريبة من السياقية. وهي لا تنضبط ) ) [4] .

ثالثا: حديث الأصوليين والفقهاء عن القرائن الحالية:

وكأنه تسليم بدعوى إمام الحرمين وغيره بأن القرائن الحالية لا تنضبط حدا أو عدا لم نجد الأكثرين من الأصوليين، وحتى الفقهاء، يعرِّفون القرينة الحالية، أثناء تطرقهم للحديث عنها أو عن بعض أنواعها. بل الذي وجدناه لديهم أمران:

أحدهما: تعريفات قاصرة، أو قل: مجرد توصيفات، لهذه القرينة أو لبعض أنواعها.

ومن ذلك قولهم فيها بأنها: (( هيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز ) ) [5] ، أو هي (( الأحوال التي لها نعدِل بالخطاب من معنى إلى معنى مع كونه مترددا بينهما ) ) [6] ، أو (( هي هيئة صادرة من المتكلم عند كلامه ) ) [7] ، وقال ابن نجيم: (( المراد بدلالة الحال: الحالة الظاهرة المفيدة لمقصوده [يعني: المتكلم] ) ) [8] .

(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 373 ـ 376.

(2) الغزالي، المستصفى، ج 2، 41. أثناء عرضه لمذهب الواقفية في صيغ العموم.

(3) الغزالي، المستصفى، ج 1، 342.

(4) التلمساني، مفتاح الوصول، ص 53.

(5) الرازي، المحصول، ج 1، ص 140.

(6) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 346.

(7) السبكي، الإبهاج، ج 1، ص 342. والظاهر أنه قد قال ذلك في وصف نوع من القرائن يقع، حسب ما جوَّزه، بين القرائن اللفظية والحالية. والأصح أنها داخلة ضمن القرائن الحالية.

(8) ابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت، ج 3، ص 322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت