شأنه أن يُلغي إمكانية أن نلاحظ أجناسا عامة لهذه القرائن يندرج تحت كل جنس جنس منها ما لا حصر له من الأفراد. وسنرى في المقصد القادم تقسيما لهذه القرائن يُمثل محاولة من الباحث لحصر هذه القرائن ضمن مجموعة من الأنواع العامة لها.
بتتبع استعمال المصطلح (( دلالة الحال ) )، أو (( شاهد الحال ) )، أو (( القرينة الحالية ) )، في لغة الأصوليين والفقهاء، وجدناهم يستعملونها استعمالين:
أحدهما: مجردةً عن التأثير على الخطاب. كقولهم، مثلا، بأن بذل المرأة المختلعة لزوجها المال يحصل به الخُلع ولا يُشترط التلفظ بلفظ المخالعة؛ وذلك لدلالة الحال، وقولهم: بأن دفع الثوب إلى القصار أو الخياط كافٍ في استحقاقه الأجرة المتعارف عليها لدلالة الحال [1] . وكقولهم: مِنَ الأخذ بشواهد الأحوال إقامةُ حدّ الخمر بالرائحة والقيء، وإقامة حد الزنا بالحَبَل، وإقامة حد السرقة بوجدان المسروق عند السارق [2] . ففي مِثْل هذا الاستعمال للقرينة الحالية ودلالتها نجد أنه ليس ثمة خطاب تقترن به وتؤثر عليه هذه القرينة، بل هي تُفضي إلى الحكم مباشرة. ولذا نستطيع القول بأن القرينة الحالية في هذا الاستعمال هي (( قرينة حالية فقهية ) )تحتف بالواقعة، محلِّ النظر، لترتيب حكم شرعي على هذه الواقعة [3] .
والاستعمال الثاني للقرينة الحالية: مقترنةً بالخطاب. والقرينة الحالية في هذا الاستعمال:
1.إما أن تقترن بالخطاب البشري، كقولهم: الكناية يقع بها الطلاق بدلالة الحال [4] . وقولهم: كلام الموكِّل للوكيل يتقيد بدلالة الحال [5] . والقرينة في هذا الاستعمال ـ وإن أثّرت أحيانا على الكلام بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح ـ فليست هي إلا (( قرينة حالية فقهية ) )؛ وذلك لأن الخطاب البشري لا يعدو كونه واقعة ينظر الفقيه في دلالته ليرتب عليه حكما شرعيا.
(1) انظر: ابن قدامة، المغني، ج 7، ص 251.
(2) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 9.
(3) انظر لبيان ما أسميناه بالقرينة الفقهية: الباب الثاني من هذه الدراسة، ص 46.
(4) انظر: ابن نجيم، زين بن إبراهيم بن بكر، البحر الرائق في شرح كنز الدقائق، دار المعرفة، بيروت، ج 3، ص 326.
(5) انظر: الغزالي، الوسيط، ج 3، ص 285.