الفرع الأول
قرائن تقوية الخبر عند الأصوليين
عند حديثهم حول الخبر المتواتر وإفادته: (( العلم ) )أو (( القطع ) )أو (( الصدق ) )أو (( اليقين ) )، وكلها أسماء لمسمى واحد، وكذا عند حديثهم عن خبر الواحد وإفادته العلم، خاض الأصوليون في بحث هذه القرائن. ولقد كان حديثهم في هذين الموضعين عاما وخاصا: فالعام: هو الذي يصدق على الأخبار جميعا ما كان منها شرعيا أو لا، والخاص: هو الذي يصدق فقط على الخبر الشرعي أو النص. ومن هنا قسمنا كلامنا في هذه المسألة إلى قسمين:
الأول: قرائن التقوية التي تحتف بالخبر عموما وأثرها عليه.
والثاني: قرائن التقوية التي تحتف بالنص خصوصا وأثرها عليه.
القسم الأول: قرائن التقوية التي تحتف بالخبر عموما وأثرها عليه:
لقد مثَّل الأصوليون لهذه القرائن بـ (( القرائن الحالية ) )التي تصحب خبرا ما. وذلك مثل ما قال إمام الحرمين: (( إذا وجدنا رجلا مرموقا، عظيم الشأن، معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات، حاسرا رأسه، شاقا جيبه، حافيا، وهو يصيح بالثبور والويل، ويَذْكُرُ أنه أُصيب بوالده أو ولده، وشُهدت الجنازة، ورُئي الغسّال مشمِّرا يدخل ويخرج، فهذه القرائن وأمثالها، إذا اقترنت بإِخباره ـ مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبلٌ وجِنّة ـ تضمنت العلمَ بصدقه ) ) [1] .
أما عن كيفية دلالة هذه القرائن على صدق الخبر أو قطعيته، فقد قال الغزالي: (( لا شك في أنَّا نعرف أمورا ليست محسوسة، إذ نعرف من غيرنا حُبَّه لإنسان وبغضه له وخوفه منه وغضبه وخجله. وهذه أحوال في نفس المحب والمبغض لا يتعلق الحسُّ بها، قد تدل عليها دلالاتٌ آحادُها ليست قطعية، بل يتطرق إليها الاحتمال، ولكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف، ثم الثاني والثالث يؤكد ذلك. ولو أُفردت آحادُها لتطرق إليها الاحتمال، ولكن يحصل القطع باجتماعها. كما أن قول كل واحد من عدد التواتر يتطرق إليه الاحتمال لو قُدِّر مفردا، ويحصل القطع بسبب الاجتماع. ومثاله: أنا نعرف عِشق العاشق، لا بقوله، بل بأفعالٍ هي أفعال المحبين: من القيام بخدمته، وبذل ماله، وحضور مجالسه لمشاهدته، وملازمته في تردداته، وأمورٍ من هذا الجنس، فإن كل واحد يدل دلالة لو انفرد لاحتمل أن يكون ذلك لغرضٍ آخرَ يُضمِرُه لا لحبِّه إياه، لكن تنتهي كثرة هذه الدلالات إلى حدٍّ يحصل لنا علمٌ قطعيٌ بحبه. وكذلك ببغضه إذا رُئيَت منه أفعال يُنتجها البغض. وكذلك نعرف غضبه وخجله لا بمجرّد حُمْرَة وجهه، لكنِ الحُمرةُ إحدى
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 374، مع تقديم وتأخير يسيرين.