عن وجهه. و (( حَالت ) )الناقة إذا لم تحمل تلك السنة، وذلك لتغيير ما جرت به عادتها ... الخ [1] .
أما (( الحال التي ورد فيها الخطاب ) )، أو قل: (( المقام الذي ورد فيه الخطاب ) )، أو بعبارة ثالثة، (( القرائن الحالية التي تحتف بالخطاب ) )فهي مجموعة الصفات والهيئات والعوارض والظروف والملابسات والبيئات ـ وغير ذلك من المتغيرات ـ التي تحتف بالخطاب في نفسه أو بقائله أو بالمخاطَب به بحيث تؤثر على دلالته. وهذا الذي قلناه هو تعريفٌ تقريبيٌ توضيحيٌ لـ (( الحال التي ورد فيها الخطاب ) )، والتعريف الذي نراه ألصق بصناعة الحدود هو أن نقول بأنها: كل ما احتف بالخطاب وأثر على دلالته من غير كونه سياقا. فعلى هذا التعريف، تصدق (( الحال التي ورد فيها الخطاب ) )على كل شيء ـ بكل ما في هذا التعبير من عموم ـ أمكنه أن يؤثر على دلالة الخطاب، باستثناء شيء واحد هو السياق الذي ورد فيه الخطاب. ومن خلال هذا التعريف نلحظ مدى العموم والاتساع الذي تتسم به الحال التي ورد فيها الخطاب، أو قل: القرائن الحالية المحتفة بالخطاب. ولنا مزيد كلامٍ حول هذا التعريف في موضع لاحق.
نتيجةً لما قلناه من اتساع وعموم أو كثرة الأحوال التي تحتف بالخطاب أحال بعض الأصوليين الإحاطة بالقرائن الحالية حدا أو عدا. قال إمام الحرمين: (( القرائن تنقسم إلى: قرائن مقال، وإلى قرائن أحوال: أما الأحوال فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا، ولكنها إذا ثبتت لاح للعاقل في حُكْمِ طرْد العُرْف أمورٌ ضرورية ) ) [2] . وقال، أيضا،: (( العلومُ الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال. وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها ولا سبيل إلى جحدها إذا وقعت. وهذا كالعلم بِخَجَلِ الخَجِل ووَجَلِ الوَجِل ونشط الثَّمل وغضب الغضبان ونحوها. فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علومٌ بديهية لا يأباها إلا جاحد. ولو رام واجدُ العلوم ضبطَ القرائن ووصفها بما تتميز به عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلا. فكأنها تَدِقُّ عن العبارات وتأبى على من يحاول ضبطها بها. وقد قال الشافعي، رحمه الله: من شاهد رضيعا قد التقم ثديا من مرضع، ورأى فيه آثار الامتصاص، وحَرَكات الغلصمة، وجرجرة المتجرِّع، لم يستربْ في وصول اللبن إلى جوف الصبي، وحلَّ له أن يشهد شهادة باتةً بالرضاع. ولو أنه لم يَبُتَّ شهادته في ثبوت الرضاع، ولكنّه شَهِد على ما رأى من القرائن، وأطنب في وصفها، واستعان بالوصَّافين المعرِّفين، فبلغ ذكرُ القرائن مجلسَ القاضي، فلا يثبت الرضاع بذلك؛ لأن ما سمعه
(1) انظر: المراجع السابقة.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 185،186.