الأطراف [1] . ومن هنا تجد المعاجم العربية تعطيك الكم الهائل من المعاني اللغوية للفظ الواحد دون أن تبين لك التسلسل التاريخي لهذه المعاني ولا الخصوصية المكانية أو القَبَليَّة أو الاجتماعية لها إلا نادرا [2] .
(( الوضع يُقال بالاشتراك:
• على جعل اللفظ دليلا على المعنى، كتسمية الولد زيدا. وهذا هو الوضع اللغوي.
• وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره. وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة: الشرعي ... والعرفي العام ... والعرفي الخاص )) .
هذا ما قاله القرافي [3] ، وتلقفه عنه كلٌّ من الزركشي [4] ، والتاج السبكي [5] ، من غير أن يعزواه!! ولا أن ينقداه.
وهذا القول من القرافي، وإن دل على ملاحظته لدور (( استعمال اللفظ بين أهل التخاطب ) )في عملية الوضع، لكنه، مع ذلك، انطوى على تصورين خاطئين في كيفية الوضع:
أحدهما: أنه فرّق بين الوضع اللغوي وبين غيره من الأوضاع كالشرعي والعرفي، بأن خص الوضع اللغوي بكونه عملا فرديا لا يُشترط فيه الاستعمال المسبق للفظ في معناه، كتسمية الولد زيدا، أما الأوضاع الأخرى فاشترط فيها الاستعمال. والحق أن الوضع اللغوي لا يختلف عن غيره من الأوضاع من ناحية الاستعمال، وإنما من ناحية المستعمِل فحسب، فالموضوع لغةً هو المستعمَل بين أهل اللغة، والموضوع شرعا هو المستعمل في لغة الشارع، والموضوع عرفا هو المستعمل بين أهل العرف. فاختلاف المستعمِل للفظ أو (( أهل التخاطب ) )به، كما أسميناهم سابقا، هو الذي يحدد نوعية الوضع. نعم، يُطلق على ارتجال اللفظ ونقله لعلاقة أو بدونها اسمُ الوضع بالمعنى العام كما أسلفنا، لكنّ هذا لا يختص به الوضع اللغوي، كما يوحي به تفسير القرافي للوضع، بل هو منسحب على باقي الأوضاع.
والتصور الثاني: أنه اشترط في الأوضاع غير اللغوية لا الاستعمال فحسب بل غلبة الاستعمال. والحق أنه ليس بشرط، بل الشرط هو فقط وجود الاستعمال، أو، كما قلنا سابقا، شيوع الاستعمال. والفرق بين (( غلبة الاستعمال ) )و (( شيوع الاستعمال ) )أن غلبة
(1) انظر: خليل: حلمي، العربية وعلم اللغة البنيوي، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1988 م، ص 34،35.
(2) انظر: أنيس، دلالة الألفاظ، ص 249.
(3) القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 24.
(4) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 7.
(5) السبكي، الإبهاج، ج 1، ص 263،264.