المقصد الثاني
القرائن التي تقترن بالنص مفترض الوجود
النص مفترض الوجود: هو النص الذي لم يبلغنا بذاته عن الشارع، صلى الله عليه وسلم، وإنما وردت دلائل تدل على تقدير وجوده. وهذه الدلائل هي التي نقصد بالقرائن هاهنا.
وأمثِّل لهذه القرائن بقرينتين:
إحداهما: الإجماع على حكم لا يوجد فيه نص. فالإجماع في هذه الحالة هو دليل (= قرينة) على وجود نص مقدر الوجود قام عند أهل الإجماع ولم يبلغنا [1] . وهذا إنما يصح عند من يحتِّمون قيام الإجماع عن قاطع سمعي. قال إمام الحرمين: (( يستحيل إجماعُ عددٍ عظيم على أمر من غير ثبوت سببٍ جامع، كما يستحيل اجتماع العالمين في صبيحة يوم على قيامٍ أو قعودٍ أو أكلٍ أو نومٍ مع اختلاف الدواعي والصوارف، وتباين الجِبِلات والخَلْق والأخلاق. فحصول الاتفاق، مع ذلك، عن وفاق يُفضي إلى الانخرام في مطَّرد العرف والانحراف. فقد تحصل من مجموع ما ذكرناه، أن إجماع أهل البصائر على القطع في مسألة مظنونة لا مجال للعقول فيها، يستحيل وقوعُه من غير سببٍ مقطوع به سمعي.
فإن قيل: لو كان سببُ الإجماع خبرا، مثلا، مقطوعا به، لَلَهَجَ المُجمعون بنقله.
قلنا: لا يَبْعُد أن ينعقد الإجماع عن سبب مقطوع به، ثم يقعُ الاكتفاء بالوفاق، ويُضْرِبُ المُجمعون عن نقل السبب لقلة الحاجة إليه. وكم من شيء يستفيض عند وقوعه ثم ينمحق ويندرس حتى يُنقل آحادا. ثم ينطمسُ حتى لا يُنقلَ ويقعُ الاكتفاءُ بما ينعقد الوفاقُ عليه، ووضوحُ ذلك يُغني أصحاب المعارف بالعرْف عن الإطناب في تقريره.
فإن قيل: فالحُجَّةُ، إذًا، مستندُ الإجماع مقدّمًا، وليس الإجماعُ في نفسه دليلا. قلنا: الآن لما انكشف الغطاء وبرح الخفاء، فالحق المتَّبع أن الإجماع في نفسه ليس حجةً، إذ لا يُتصور من المجمعين الاستقلالُ بإنشاء حكمٍ من تلقاء أنفسهم. وإنما يُعتقد فيهم العثورُ على أمرٍ جَمَعَهم على الإجماع، فهو المعتمد، والإجماع مُشعِرٌ به )) [2] .
(1) انتبه إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون النص قولا مأثورا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بل ربما يكون فعلا، أو إقرارا صريحا، أو إقرارا ضمنيا، وذلك بأن يتعارف الناس في عصر الرسالة على شيء، فيسكت الشارع عن بيان حكمه، كما حصل في المضاربة.
(2) الجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، غياث الأمم في التياث الظلم، دار الدعوة للنشر والتوزيع، الاسكندرية، ط 3، 1411 هـ=1990 م، ص 73، 74. وانظر: الجويني، البرهان، ج 1، ص 436. وهذا الوجه من الاستدلال الذي وطَّد به إمام الحرمين حجية الإجماع هو خير الآراء، من وجهة نظري، في تثبيت حجية الإجماع، الذي تعرَّض، منذ النظام وإلى الآن، إلى حملات قوية من النقد. إذن، فالحجة ليست في الإجماع نفسه، وإنما فيما ينطوي عليه الإجماع من وجود نص مقدر. وبهذا ننفصل عن شبهة منكري الإجماع بأنْ ليس ثمة دليل واحد صريح يؤكد حجية الإجماع، لأنا لا نقول بأنه حجة في نفسه حتى يحتاج إلى دليل بل الحجة في النص المضمر فيه، وحجية النص لا خلاف فيها. وننفصل أيضا عن شبهتهم في عسر أو استحالة الوقوف على الإجماع؛ لأنه يتطلب الوقوف على آراء العلماء والصحابة جميعا وقد تفرقوا في البلاد، لأن الإجماع، من حيث هو قرينة دالة على نص مقدر، لا يُشترط فيه التحقُّق الكامل من آراء الكل بل يكفي في ذلك العلم برأي الأكثر مع عدم العلم بالمخالف، فذلك وحده كاف في إثارة الظن باطلاعهم على نص لم يبلغنا. نعم، يترتب على ذلك أن دليل الإجماع يفيد الظن فقط لا القطع الذي ادعاه أكثر الأصوليين، فهذا حق لا سبيل إلى دفعه.