فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 384

وقد جرينا نحن في تعريفنا للسياق واستعمالنا له على التوسط بين استعمال الأقدمين للسياق واستعمال المعاصرين له. فمن جهة، لم نوسِّع السياق جدًّا ليشمل الحالَ التي ورد فيها الخطاب كما هو استعمال المعاصرين، ومن جهة أخرى، لم نضيِّقه ليقتصر على السورة أو على ما هو دونها كما هو استعمال الأقدمين، بل جعلناه بينَ بين، فقلنا بأن السياق هو ما سيق من الكلام ـ والكلام فقط ـ لمقصد ما، مجوزين في المقصد أن يكون عاما ينتظم القرآن كله أو الوحي كله. فهو على هذا أوسع مما قاله الأقدمون وأضيق مما قاله المعاصرون. ولكلٍّ وجهة هو مولِّيها.

سادسا: التعريف بـ(( معنى السياق الذي ورد فيه الخطاب )):

بعد أن عرَّفنا السياق آن لنا أن نعرِّف المعنى الذي ينجم عن هذا السياق. وقبل البدء بهذه المهمة ينبغي علينا، ابتداء، أن نميز بين المقصود بقولنا: (( سياق الخطاب ) )وبين المقصود بقولنا: (( السياق الذي ورد فيه الخطاب ) ).

وفي هذا الصدد نقول: سياق الخطاب: هو ما سيق من الخطاب نفسه، أي أنه هو نفسه (( مقال الخطاب ) ) [1] ، والذي سبق أن عرفناه بأنه: المعطيات اللغوية للخطاب، أو مجموعة حروف الخطاب وكلماته وتراكيبه.

أما السياق الذي ورد فيه الخطاب فهو المحيط الكلامي الذي وقع ضمنه الخطاب، أو هو الكلام السابق للخطاب واللاحق له، مع الأخذ بعين الاعتبار ما سبق لنا بيانه في شأن تعدد الأسيقة وتحلُّقها حول الخطاب.

فإذا تقرر هذا الذي قلنا، فالذي نقصده بـ (( معنى السياق الذي ورد فيه الخطاب ) )، أو قل (( دلالة السياق ... ) )، كأداة معرفية لازمة للكشف عن المعنى الكامل للخطاب، هو ذلك الأثر الذي يلقيه السياق، أيا كان اتساعه، على سياق الخطاب، أو قل: على مقال الخطاب، وسواء أثر عليه جملةً أو أثر على جزء معين فيه. وبهذا نجد أن ثمة فرقا بين (( معنى المقال ) )، وبين (( معنى السياق ) )، كأداتين معرفيتين لازمتين لتدبر الخطاب. فمعنى المقال، كما سبق لنا توضيح ذلك في المطلب السابق، هو المعنى المجموعي للمواد المقالية التي يتكون منها المقال. وبالتحليل وجدنا أن هذا المعنى المجموعي ينقسم إلى (( معاني فردية ) )تفيدها المواد

(1) والذي نراه أن الترادف بين (( سياق الخطاب ) (( مقال الخطاب ) )ليس هو ترادفا تاما، بل هو من قبيل ما بين السيف والحسام، فالحسام وإن كان يرادف السيف إلا أنه يزيد عليه بلحاظ كونه حادا. وكذا (( سياق الخطاب ) )يزيد على (( مقال الخطاب ) )بلحاظ كون الخطاب مسرودا ومتتابعا. والتتابع، أو بعبارة أخرى، التساوق، وإن كان موجودا في (( مقال الخطاب ) )هو الآخر إلا أن دلالة لفظ (( المقال ) )عليه هي دلالة لزوم عقلي فحسب، أي أن اللفظ لا يوحي بمعنى التتابع بمجرد التواضع بل بتوسط العقل. أما دلالة (( سياق الخطاب ) )عليه فهي دلالة مباشرة، أي متواضَع عليها. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت