المقالية في نفسها، وإلى (( معاني نظمية ) )تفيدها المواد المقالية في غيرها. أما معنى السياق ـ أي السياق الذي ورد فيه الخطاب ـ فهو معنى نظمي فقط، طرفاه: السياق المؤثر، والخطاب المتأثر.
وهل للسياق معنى فردي قاصر عليه؟ الجواب: نعم. وهذا لا شك فيه، لكن في قولنا: إن السياق الذي ورد فيه الخطاب أداة معرفية لازمة لتدبر الخطاب، لا يعنينا المعنى الفردي للسياق وإنما المعنى النظمي له، والذي هو أثر السياق على الخطاب المندرج فيه.
عندما تحدثنا عن مواد المقال ـ وبالذات المادتين: المعجمية والصرفية ـ اشترطنا فيما يُوصف منها بكونه قرينة شرطين:
أحدهما: أن تكون له دلالة نظمية. وهذا الشرط أخذناه من شرط القرينة الذي هو التأثير في الغير.
والثاني: أن تكون هذه الدلالة في ثاني الحال لا في أوله. وهذا الشرط أخذناه من الاستعمال النحوي والأصولي لمصطلح القرينة [1] .
أما السياق فإنه يجوز وصفه بالقرينة بشرط واحد فقط. وهو أن يكون لهذا السياق تأثير ما على معنى الخطاب بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح. وبتحقُّق هذا الشرط يكون السياق قرينة من خلال أمرين: من خلال انطباق تعريف القرينة عليه، ومن خلال الاستعمال الأصولي لمصطلح القرينة.
ووصفُنا للسياق ككل بكونه قرينة لازمة لتدبر الخطاب إنما هو بقيد تأثير المعنى الكلي للسياق على الخطاب، كما هو الحال في مثال آية خلق السماوات والأرض في ستة أيام الذي أوردناه آنفا، والتي أثَّر عليها الموضوع العام المنبث في كافة أرجاء سياق السورة التي وردت فيها الآية. أما إذا انفردت مواد كلامية معينة في السياق الأوسع بالتأثير على معنى الخطاب، كما هو الحال في تخصيص الكتاب بالدليل المنفصل من الكتاب نفسه أو السنة أو الإجماع أو القياس، فالذي يُوصف بكونه (( قرينة ) )مؤثرة على الخطاب ليس هو السياق ككل الذي وردت فيه هذه المواد الكلامية بل هو هذه المواد الكلامية المؤثرة نفسها؛ لأن مفهوم القرينة بركنه وشروطه الثلاثة صادق عليها. والتعبير عن السياق المشتمل على هذه المواد المنفردة بالتأثير بـ (( القرينة ) )ـ إذا وقع في لغة بعض العلماء أحيانا ـ هو إطلاق دال بالتضمن لا
(1) انظر: ص 201.