المطلب الأول
تقسيمات القرينة عند أصوليي الجمهور
أولا: تقسيمات أبي الحسين البصري (ت 436 ه (:
ولقد وجدنا له ثلاث تقسيمات: قسمتان منهما عامتان، والثالثة خاصة بالقرائن التي تحتف باللفظ العام.
أما العامتان فقد أورد إحداهما ضمن (( فصول كيفية الاستدلال على الأحكام ) )، وأورد الأخرى تحت باب سمّاه (( الصفة التي معها يجوز للإنسان أن يفتي نفسه ويفتي غيره ويحكم عليه ) )وهو الباب الموسوم في أصول الفقه بشروط المجتهد.
وأما القسمة الخاصة فكانت تحت باب (( العموم إذا خُصَّ هل يصير مجازا أم لا؟ ) ).
القسمة الأولى:
قال ابتداء: إنّ (( القرائن قد تعدل بالخطاب عن ظاهره، وقد تكون مكمِّلة لظاهره ) ) [1] . أي أنها قسمان: مؤوِّلة للظاهر، ومكمِّلة له. ثم قسَّم القرائن المكملة للظاهر قائلا: (( اعلم أن هذه القرائن:
منها: ما ترجع إلى حال المخاطِب.
ومنها: ما لا ترجع إلى حاله.
فـ [القسم] الأول: كاستدلالنا بكلام النبي، صلى الله عليه وسلم، وبكونه منتصبا لتعليم الشرع على أنه عنى بخطابه حكما شرعيا. وهذا إذا كان خطابه مترددا بين حكم شرعي وعقلي، لأنه منتصب لتعليم الشرع ... وكذلك إذا تردد خطابه بين تعليم اسم لغوي وشرعي فإنه يجب حمله على تعليم الاسم الشرعي، لأن اللغوي يُعرف من دونه، صلى الله عليه وسلم )) .
وأما القسم الثاني، وهو (( القرينة التي ليست بحال المتكلم، فضربان:
أحدهما: أن تكون القرينة خطابا آخر.
والآخر: أن تكون القرينة تعلقا بين ما تناوله الخطاب وبين ما لم يتناوله )) .
قال: (( أما الضرب الأول [وهو القرينة المكملة التي تكون خطابا آخر] فأشياء:
• منها: أن يكون أحد الخطابين يدل على أن الشيء صفة، والآخر يدل على اختصاص تلك الصفة بحكم من الأحكام، فنعلم أن ذلك الشيء يختص بذلك الحكم. وذلك مثل قوله، سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) وذلك يدل على أن القرآن ذكر. وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (الانبياء:2) يدل على حَدَثِ الذِّكر. فوجب من كلا الاثنين كون القرآن محدثا.
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 342.