فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 384

• ومنها: أن يدل الخطاب على اختصاص حكم بشيئين، ويدل خطاب آخر على أن أحد الشيئين يختص ببعض ذلك الحكم، فنعلم أن الشيء الآخر يختص ببقية ذلك الحكم. كقول الله، سبحانه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف:15) يدل على أن مدة الحمل ومدة الرضاع ثلاثون شهرا. ودل قوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (لقمان:14) على أن [أقل] الحمل يكون ستة أشهر، لأن الفصال يكون في عامين.

• ومنها: أن يكون أحد الخطابين طريقا إلى أن لشيء من الأشياء حكما، وأنه ليس لغيره، ويدل خطاب على أن ذلك الحكم المذكور لبعض الأشياء، فنعلم أنه هو الأول أو جزء منه. نحو قوله، سبحانه،: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة:185) يدل على أن ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان، لعلمنا أنّ كثيرا منه قد نزل في غير شهر رمضان، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} (القدر:1) يدل على أن ابتداء نزوله في ليلة القدر، وذلك لا يكون إلا وليلة القدر هي جزء من شهر رمضان. وهذا إنما يصح متى ثبت بالإجماع أن قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} (القدر:1) يفيد أن ابتداء نزوله في ليلة القدر )) .

وقد سبق لنا أن أسمينا مثل هذه الأنواع من القرائن بـ (( قرائن التركيب ) )لأن أحد النصين ينبني على الآخر انبناء منطقيا ليدلا معا على مدلول جديد، تماما كما تنبني المقدمات المنطقية بعضها مع بعض لتفضي إلى نتيجة محددة [1] .

قال أبو الحسين: وأما الضرب الآخر، وهو الذي تكون فيه (( القرينةُ تعلُّقا بين فائدة الخطاب وبين غيره، فضربان:

أحدهما: أن يكون بينهما تعلُّق التعليل وهذا هو القياس ... والآخر: لا يكون تعلُّق التعليل إلا أنه لا يثبت أحدهما إلا مع الآخر، وهو ضربان:

أحدهما: هذا حكمه؛ لمكان الإجماع، وإن لم يُعلم [وجه] التعلق بينهما. ومثاله: أن يدل الظاهر على أن الخال يرث، وتُجمع الأمة على أن الخالة بمثابته في إثبات الإرث ونفيه، فنحكم بذلك، وإن لم نعرف وجه التعلق بينهما.

والآخر: هذا حكمه؛ لأنه لا يمكن انفكاك كل واحد منهما من صاحبه. [وهو] ضربان:

أحدهما: أن يكون ذلك المعنى وَصْلَةً إلى فائدة الآية، كالأمر بالطهارة يقتضي وجوبَ استيفاء الماء.

والآخر: أن لا يكون وصلة إليه. وهو ضربان:

أحدهما: أن يكون الحكم إباحة، فَيُعلم إباحة ما لا يتم الفعل المباح إلا معه. [ومثاله:] قول الله، تعالى،: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ

(1) انظر: ص 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت