فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 384

ومن المعاني التي وجدنا بعض الأصوليين والفقهاء يستعملون السياق فيها هو الكلام اللاحق للكلمة أو العبارة محل النظر، أو على طريقة البركتي: ما بعد الشيء. وهذا لأنهم يقولون مثلا: هذا المعنى دل عليه السِّباق ـ بالباء ـ والسياق [1] ، ويعنون بالسباق الكلام السابق على الكلمة أو العبارة محل النظر، وبالسياق الكلام اللاحق لهما.

ثانيا: متى يُمكنُنا وصفُ كلامٍ ما بأنه سياق؟

أو بعبارة أخرى، ما هو معيار السياق؟

من خلال تعريفنا للسياق بأنه (( الكلام الذي تم سرده لمقصد ما ) )يمكننا ملاحظة معيارين لا بد من تحققهما في الكلام حتى يُسمى سياقا:

أحدهما: معيار التتابع. والتتابع نوعان: زمني، وموقعي.

• ففي الكلام المنطوق إذا تتابعت زمنيا ـ بأن صدرت عن المتكلم في فترة زمنية متصلة ـ مجموعةٌ من الكلمات أو مجموعة من الجمل أو مجموعة من الخطابات، يمكننا القول بأن كل مجموعة من هذه المجموعات هي أهلٌ لأن تُشكِّل سياقا.

• وفي الكلام المكتوب إذا تتابعت موقعيا ـ ولو كُتبت في أزمنة متباعدة ـ مجموعةٌ من الكلمات أو مجموعة من الجمل أو مجموعة من الخطابات، يمكننا القول بأن كل مجموعة من هذه المجموعات هي أهلٌ لأن تُشكِّل سياقا.

ومعيار التتابع هذا أخذناه من وصف الكلام في التعريف بأنه الذي تم سرده أو إيراده، فالسرد والإيراد للمادة الكلامية يقتضي تتابعها.

والمعيار الثاني: معيار الوحدة القصدية أو الموضوعية.

ومعنى هذا المعيار أنه لا بد في مجموعة الكلمات أو مجموعة الجمل أو مجموعة الخطابات، المتتابعة زمنيا أو موقعيا، أن ينتظمها ويسري فيها مقصد واحد أو موضوع واحد حتى تُعد سياقا.

وقد أخذنا هذا المعيار من وصف الكلام في تعريف السياق بأنه مسرود أو مورَد لـ (( مقصد ما ) ). فإن قيل: هذا الوصف دالٌّ على معيار الوحدة القصدية، فمن أين جاءت الوحدة الموضوعية؟ فالجواب هو أن الوحدة الموضوعية ما هي إلا مظهر من مظاهر الوحدة القصدية، وذلك لأن قصد المتكلم هو أمر باطني لا يمكن الاطلاع عليه إلا من خلال النظر في الكلام المسوق نفسه، فإذا وجدنا هذا الكلام يصب في موضوع واحد علمنا أن المتكلم

(1) انظر: ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج 1، ص 125، 175. والمرداوي: أبو الحسن علي بن سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 1، ص 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت