فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 384

فإن قيل: إذا كانت المواد اللغوية المتواضع عليها محصورة ولا يجوز الاستئناف فيها، كما قال ابن مالك، فكيف إذن تتطور اللغة وتتغير حتى إنها، وعلى المدى الطويل جدا، قد تنقلب إلى لغة أخرى؟

فالجواب: هو أن أغلب التطور الحاصل في اللغة إنما يستغل نظام اللغة نفسه، وذلك عن طريق المجاز. وطريقة ذلك أن الفرد في الجماعة اللغوية يلجأ، باستمرار، ولغاياتٍ شتى، إلى استعمال اللفظ ذي الدلالة المعينة في الدلالة على معنى جديد لعلاقة بين المعنيين، وبوجود قرينة تمنع من دلالة اللفظ على المعنى الأول. ثم يروق للجماعة اللغوية هذا الاستعمال بعد أن تسمع به فتبدأ باستعمال اللفظ في المعنى المجازي نفسه بوجود قرينة. فإذا اشتهر هذا الاستعمال استغنوا عن القرينة. وتناسوا المعنى الحقيقي للفظ حتى يصير هو المحتاج إلى قرينة. وحينئذٍ فقد صار للفظ معنىً جديدٌ متبادَر منه غير معناه الأول. فإذا حدث مثل هذا الأمر على نطاق واسع من الألفاظ، وبتكرار، وعلى مدى متطاول من الزمن، تطورت اللغة كليا أو جزئيا. ومن هنا قيل: ـ كما قال أولمان: (( اللغة: قاموس من المجازات التي فقدت مجازيتها بالتدريج ) ) [1] . وقال الدكتور كمال بشر: (( إن عناصر اللغة تبدأ أولا بالابتكار، أو التوليد الفردي، الذي قد يُكتب له النجاح فيما بعد، فتعترف به الجماعةُ كلُّها، وتتواضع على صحته، ومن ثَم يصبح جزءا من النظام اللغوي ) ) [2] .

سابعا: القرينة واتصافها بالتواضع وعدمه عند الأصوليين:

جرى بعض الأصوليين، تصريحا أو تلميحا، على وصف دلالة القرينة بأنها ليست دلالة وضعية، فقال ابن السمعاني، وهو في صدد إثبات دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق،: (( يَبعُد أن تضع العرب للشيء الواحد عددا من الأسامي، ثم يكتفون في معنى الشمول والعموم بقرينة أو إشارة، مع اتساع العبارات وضيق القرائن والإشارات، وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة، ليس مما يصلح لجميع الناس، بل هو شيء خاص يقع للبعض دون البعض ) ) [3] ، فمقابلته بين الدال بالوضع والدال بالقرينة يشير إلى اعتقاده بعدم وضعية القرينة. وذَكَرَ جمعٌ من الأصوليين أن صيغ العموم قسمان: منها ما يدل على الاستغراق بالوضع، ومنها ما يدل عليه (( لا بالوضع بل بواسطة قرينة ) ) [4] ، وهذا يقتضي أن دلالة القرينة ليست

(1) أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 93.

(2) المرجع السابق، حاشية ص 90.

(3) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 159.

(4) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 62. وانظر: أمير بادشاه، تيسير التحرير، ج 1، ص 198. والبيضاوي: ناصر الدين عبد الله بن عمر، منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، وبذيله الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1405 ه‍=1985 م، ص 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت