فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 384

دلالة وضعية. وقال الغزالي: (( كل ما ليس عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن ) ) [1] ، فيلزم عن ذلك، أيضا، أن دلالة القرائن هي دلالة غير وضعية. وهو فعلا ما صرَّح به الرازي فقال: (( دلالة القرينة ليست دلالة وضعية ) ) [2] . وقد انتبه أصحاب كتب الاصطلاح إلى عدم (( وضعية القرينة ) )، فقال التهانوي في تعريف القرينة: هي (( الأمر الدال على شيء لا بالوضع ) ) [3] ، وكذلك الكفوي عرّفها بقوله: (( هي ما يوضِّح عن المراد لا بالوضع، تُؤخذ من لاحق الكلام الدال على خصوص المقصود أو سابقه ) ) [4] .

والذي نراه، وعلى الرغم من النقول السابقة، هو أن عدم التواضع في دلالة القرينة الأصولية ليس بشرط فيها؛ والذي يبرهن على ذلك أنا بتتبع إطلاقات القرينة لدى الأصوليين وجدناهم يطلقون القرينة على مواد لغوية دالة بالوضع. وحسبك في هذا إطلاقهم على (( الاستثناء ) )من مخصصات العموم لفظ القرينة [5] . ولا يمتري اثنان في أن الاستثناء موضوعٌ لغرض التخصيص أساسا. وهذا هو ابن تيمية يصرح بأن القرائن نوعان: فمنها ما يدل بالوضع، ومنها ما لا يدل به، قال: (( الفرق بين القرينة اللفظية المتصلة باللفظ الدالة بالوضع، وبين ما ليس كذلك من القرائن الحالية والقرائن اللفظية التي لا تدل على المقصود بالوضع، كقوله: رأيت أسدا يكتب، وبحرا راكبا في البحر، وبين الألفاظ المنفصلة، معلومٌ يقينا من لغة العرب والعَجم ) ) [6] .

أما ما نقلناه عن بعضهم من التلميح أو التصريح بكون القرينة غير دالة بالوضع فقد كان المقصود بالقرينة في كلامهم نوعا خاصا منها هو القرينة الحالية، وهذا متعين في كلام ابن السمعاني وكلام الغزالي، كما يلمسه من رجع إلى سياق كلامهما. وأما المقسّمون لصيغ العموم إلى دالة بالوضع ودالة بالقرينة فلا يلزم عن قولهم هذا كون دلالة القرينة دلالة غير وضعية، وإنما يلزم عنه كون (( الدال بالقرينة ) )هو ذو الدلالة غير الوضعية، وشتان بين (( دلالة القرينة ) )وبين (( دلالة الدال بالقرينة ) ). وأما قول الرازي: (( دلالة القرينة ليست دلالة

(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 340.

(2) الرازي، المحصول، ج 1، ص 134.

(3) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج 2، ص 1315.

(4) الكفوي، الكليات، ص 734.

(5) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 264. والجويني، البرهان، ج 1، ص 258. وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 179. والرازي، المحصول، ج 1، ص 401. والآمدي، الإحكام، ج 2، ص 251.

(6) ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وتحقيق عبد الرحمن العاصمي، مكتبة ابن تيمية، ج 31، ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت