فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 384

وضعية )) فيقصد بذلك القرينة الدالة على إرادة المجاز [1] ، والقرينة الدالة على المعنى المجازي، لا سيما في الاستعارة، هي بالذات لا تدل بالوضع، فلا ينبغي أن يُعمَّم كلامه في القرائن كلها.

هذا، وقد حاول القرافي أن ينازع الرازي في كون القرينة الصارفة إلى المجاز لا تدل بالوضع فقال معترضا: (( إن القرينة قد يكون لها دلالة بالوضع، كما تقول: (( رأيت أسدا يجاهد في سبيل الله ) )، فإن (( يجاهد في سبيل الله ) )دلالته وضعية )) [2] .

ولقد أخطأ في هذا الاعتراض، لأن القرينة: (( يجاهد في سبيل الله ) )لها دلالتان:

إحداهما: دلالتها على فعل الجهاد في سبيل الله، ودلالتها على هذا المعنى هي دلالة وضعية.

والدلالة الثانية: دلالتها على أن المراد بـ (( الأسد ) )في العبارة هو الرجل الشجاع لا الحيوان المعروف. ودلالتها على هذا المعنى ليست دلالة وضعية؛ وذلك لأنه لم يَتعارف أو يتواضع أهل اللغة على أن ذكر الجهاد في سبيل الله من غايته أن يدل على أن المراد بـ (( الأسد ) )هو الرجل الشجاع. إذ يمكن أن نضع ما لا حصر له من العبارات الدالة على هذا الأمر. وعدم الحصر هو علامة المادة غير التواضعية كما أسلفنا.

والمراد بقول الرازي: إن دلالة القرينة، أي الصارفة إلى المجاز، ليست دلالة وضعية، إنما هو من جهة دلالتها على المعنى الثاني، لأنها لا تكون قرينة إلا من قبلها، لا من الجهة الأولى التي ظنها القرافي. وعليه، لم يصح اعتراضه بهذا المثال.

وأما تعريفا: التهانوي والكفوي للقرينة بأنها: ما دل لا بالوضع، فأغلب ظني أنهم ينقلون تعريفهم هذا عن أهل البلاغة والبيان، وهؤلاء يقصدون غالبا بالقرينة القرينةَ الصارفة إلى المجاز، وهذه القرينة بالذات، كما عرفت، لا تدل بالوضع.

وكيفما كان الأمر، فإنا بالتدليل على أن كثيرا من الأصوليين قد يطلقون القرينة على ما دل بالوضع ندرك أن كل من قال في (( توصيف ) )القرينة: إنها لا تدل بالوضع:

• إما أنه يقصد بذلك نوعا خاصا من القرائن كالقرائن الحالية، أو كالقرائن الصارفة إلى المجاز لاسيما الاستعارة، فهو حينئذ مصيب.

• وإما أنه يقصد العموم، فهو حينئذ مخطئ.

بقي أن نحدد متى تُعتبر المادة اللغوية: المعجمية، أو الصرفية، أو التركيبية الدالة على معناها بالتواضع قرينة، ومتى لا تُعتبر كذلك.

(1) ومن الدليل عليه هو أن عبارته واردة تحت مسألة عنوانها: إثبات المجاز المفرد، ومجتزأة من قوله: (( اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز، ولا يقال: اللفظ مع القرينة حقيقة فيه؛ لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية حتى يُجعل المجموع لفظا واحد دالا على المسمَّى ) )الرازي، المحصول، ج 1، ص 134.

(2) القرافي، شرح المحصول، ج 2، ص 893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت