فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 384

لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة )) [1] .

وأشار ابن تيمية إلى ثلاثة قرائن: حال المتكلم وحال المخاطب وحال المتكلَّم فيه، أي: موضوع الكلام. وذلك حين قال: (( اعلم أن من لم يُحكم دلالات اللفظ، ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ: تارة يكون بالوضع اللغوي أو العرفي أو الشرعي: إما في الألفاظ المفردة وإما في المركبة، وتارةً بما اقترن باللفظ المفرد من التركيب الذي تتغير به دلالته في نفسه، وتارة بما اقترن به من القرائن اللفظية التي تجعله مجازا، وتارة بما يدل عليه حال المتكلم والمخاطَب والمتكلَّم فيه ... وإلا فقد يتخبط في هذه المواضع ) ) [2] . وأشار ابن تيمية، أيضا، إلى قرينتي حال المتكلم والمخاطب عندما ذَكَر جهتي حصول الخطأ والاختلاف في تفسير القرآن الكريم: وذلك بقوله: الجهة (( الثانية: قومٌ فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظرٍ إلى المتكلم بالقرآن والمنزَّل عليه والمخاطب به ... راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلِّم به وسياق الكلام ) ) [3] .

هذا ما أمكننا تتبعُه من تعدادٍ لأنواع القرائن الحالية عند الأصوليين. أما لو أردنا تتبع ما خاضوا فيه من المباحث الأصولية التي ترتبط بالقرائن الحالية، لكن من غير أن يصرحوا أو يشيروا إلى كونها نوعا من أنواعها، لطال بنا المقام. وسنشير إلى شيء من هذه المباحث، إن شاء الله تعالى، عندما نورد قسمتنا للقرائن الحالية عما قليل.

ثانيا: أنواع القرائن الحالية عند المعاصرين:

لعله العالم البولندي مالينوفسكي هو أول المؤكِّدين، من مُحدَثي العلماء الذين خاضوا في الدلالة، على الحال ودورها في التأثير على معنى الكلام، مستعمِلا في التعبير عنها المصطلح الذي اشتهر عنه، وهو (( سياق الحال ) ) (Context of Situation) [4] .

(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 347 - 351.

(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 33، ص 181.

(3) الجليند، دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، ص 105.

(4) انظر: السعران، علم اللغة، ص 310. وقال الدكتور تمام حسان: (( حين قال البلاغيون [العرب] : (( لكل مقام مقال ) )، و (( لكل كلمة مع صاحبتها مقام ) )وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقط. وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء. ولم يكن مالينوفسكي، وهو يصوغ مصطلحه الشهير Context of Situation يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها. إن الذين عرفوا هذا المفهوم قبله سجلوه في كتب لهم تحت اصطلاح (( المقام ) )، ولكن كتبهم هذه لم تجد من الدعاية على المستوى العالمي ما وجده اصطلاح مالينوفسكي من تلك الدعاية بسبب انتشار نفوذ العالم الغربي في كل الاتجاهات، وبراعة الدعاية الغربية الدائية )) . اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 372.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت