وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه [وهذه هي قرائن حال المتكلم الطارئة] وأمور معلومة من عادته ومقاصده [وهذه هي قرائن حال المتكلم المعهودة] وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف ... ومن جملة القرائن فعلُ المتكلم، فإنه إذا قال على المائدة: هات الماء. فُهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار الملح [والصواب أن تُسمى هذه القرينة: بالظرف الذي قيل فيه الكلام أو سبب الكلام، لا فعل المتكلم] )) [1] .
وأشار الفخر الرازي إلى ثلاثة أنواع من هذه القرائن: الحال المعهودة للمتكلم، والحال الطارئة عليه، وقرينة السبب. وذلك حين قال: بأن (( القرينة [الصارفة للفظ عن حقيقته] : ... قد تكون حالية، وقد تكون مقالية:
أما الحالية: فهي ما إذا علم أو ظن أن المتكلم لا يتكلم بالكذب فيعلم أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز [وهذه قرينة الحال المعهودة في المتكلم] .
ومنها: أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز [وهذه قرينة الحال الطارئة على المتكلم وقت الخطاب] .
ومنها: أن يعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع إلى ذكر الحقيقة فيعلم أن المراد هو المجاز [وهذه هي قرينة سبب الخطاب] )) [2] .
أما الشاطبي فقد كان أوسع الأصوليين تعدادا لأقسام القرائن الحالية حيث أشار إلى: قرينة حال الخطاب في نفسه، وحال المتكلم، وحال المخاطَب، وسبب النزول أو الورود، وأشار، أيضا، إلى قرينة الأعراف الجارية في بيئة الخطاب. قال، رحمه الله تعالى، وهو بصدد بيان أهمية معرفة علم أسباب النزول: (( إن علم المعاني والبيان الذي يُعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك: كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أخر: من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتُها مقتضياتُ الأحوال. وليس كل حال يُنقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول. وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه. ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد. ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال ... ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجارى أحوالها حالةَ التنَزيل وإن لم يكن ثم سبب خاص لا بد
(1) الغزالي، المستصفى، ج 2، 41.
(2) الرازي، المحصول، ج 1، ص 140.