فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 384

المطلب الثالث

الأداة المعرفية الثالثة لتدبر الخطاب

المعرفة بـ (( الحال التي ورد فيها الخطاب ) )

في سبيل سعيه للوصول إلى المعنى الكامل للخطاب، لا سيما المقصود الدقيق للمتكلم، يتحتَّم على متدبر الخطاب، بعد نظره في السياق الذي ورد فيه هذا الخطاب، أن ينظر في الأحوال التي تحتوش أو احتوشت بالخطاب، من: حال المتكلم، وحال المخاطَب، والظرف الزماني والمكاني الذي قيل فيه، والسبب الذي أثاره، والغرض الذي استهدفه، والأعراف الجارية في المجتمع الذي قيل فيه، وغير ذلك. والداعي لهذا الأمر هو أن الخطاب الواحد يتغير معناه، وربما إلى حدّ التعاكس أحيانا، بحسب متكلم متكلم، ومخاطب مخاطب، وسبب سبب، وظرف ظرف، وعرف عرف ... الخ. قال الشاطبي، رحمه الله تعالى: (( إن علم المعاني والبيان الذي يُعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك: كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أخر: من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتُها مقتضياتُ الأحوال. وليس كلُّ حال يُنقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول. وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهمُ شيء منه ) ) [1] .

والسبب في تأثير الحال، بشتى أنواعها، على معنى الخطاب هو أن عملية الاتصال التفاهمية التي تحصل عن طريق اللغة ليست هي عملية لفظية محضة كما قد يبدو، بل إن المتكلمين، في سبيل إيصال مرادهم إلى الآخرين يعوِّلون، في كثير من الأحيان، على مواد غير لفظية (= حالية) يقرنونها بالكلام الملفوظ أو يصدر الكلام مقترنا بها تلقائيا. فالحال، على هذا، هي ركنٌ ركين من عملية الاتصال التفاهمية التي يُستخدم فيها الخطاب اللغوي، وذلك إلى الحد الذي جعلها بعضهم، كما أوضحنا في مناسبة سابقة [2] ، جزءا من الخطاب نفسه.

وتعويلا على دور الحال في التأثير على معنى الخطاب، فإنّ (( مُغرِضا ) )ما إذا أراد حمل خطاب معين على ما يريد، فإن أدهى وسائله إلى ذلك هي أن يلجأ إلى عزل هذا الخطاب عن الحال التي ورد فيها ثم وضعه في حال أخرى، وبالتالي يتم له مراده بتحريف

(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 347.

(2) انظر: ص 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت