المطلب الثاني
الأداة المعرفية الثانية لتدبر الخطاب
المعرفة بـ (( السِّياق الذي ورد فيه الخطاب ) )
(( السياق مرشدٌ إلى تبين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال. فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا، وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذما. فما كان مدحا بالوضع فَوَقَعَ في سياق الذم صار ذما واستهزاء وتهكما بعرف الاستعمال. مثاله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان:49) أي: الذليل المهان؛ لوقوع ذلك في سياق الذم ))
العز بن عبد السلام [1]
(( السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم. فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان:49) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير ))
ابن القيم الجوزية [2]
(( كلام العرب على الإطلاق لا بد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة ) )
أبو إسحاق الشاطبي [3]
(( اتفق القدماء والمحدثون على أهمية السياق ودوره في رفع الغموض وتحديد المعنى ) )
د. حلمي خليل [4]
وسيكون بحثنا هذا المطلب في مقصدين:
المقصد الأول: التعريف بالسياق الذي ورد فيه الخطاب ومتى يُوصف بكونه قرينة.
والمقصد الثاني: المباحث الأصولية المتعلقة بالسياق.
(1) العز بن عبد السلام: عز الدين عبد العزيز، الإمام في أدلة الأحكام، تحقيق رضوان مختار، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 1، 1407 ه، ص 159.
(2) ابن القيم: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي، بدائع الفوائد، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1414 ه=1994 م، ج 4، ص 222. نبه إليه، حمودة: طاهر سليمان، دراسة المعنى عند الأصوليين، الدار الجامعية، الاسكندرية، 1403 ه=1983 م، ص 231.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 153.
(4) خليل: حلمي، العربية والغموض، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، ط 1، 1988 م، ص 232.