فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 384

يُقال بالنسبة للمؤلفة قلوبهم، فالنص على إعطائهم قطعي لكن عمر، رضي الله عنه، منع العطاء عنهم لأنه رأى أن إعطاءهم قد كان مقيدا بعلة حاجة الدولة لهم فلما زالت الحاجة زال الحكم. وإذا أردنا للقاعدة أن تتجاوز هذا الإشكال فلا بد من تحويرها قليلا لتصبح: (( لا اجتهاد في تفسير النص ) )، بدلا من (( لا اجتهاد في مورد النص ) ). والله أعلم.

الاصطلاح الثالث:

يُطلق فيه النص على (( ما لا يتطرق إليه التأويل ) ).

اختاره الغزالي في المنخول [1] من بين تعريفات النص. وقال إمام الحرمين: (( وقد اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته [أي النص] فقال بعضهم: هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل ) ) [2] .

وينبغي أن لا نخلط في هذا المقام ـ كما فعل البعض [3] ـ بين قول الأصوليين: (( لا يتطرق إليه الاحتمال ) )، وبين قول الغزالي: (( لا يتطرق إليه التأويل ) ). وذلك لأن التأويل (الصحيح) لا يكون إلا بوجود ثلاثة أمور مجتمعة: احتمال اللفظ، ودليل التأويل، وقوة الدليل بحيث تفوق قوة الظاهر. فالاحتمال، على هذا، شرط التأويل، ووجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط، بينما وجود المشروط يستلزم وجود الشرط، أي أن احتمالية اللفظ لا تعني وجود التأويل دوما فقد يكون اللفظ محتملا، ومع هذا لا يتطرق إليه التأويل لعدم توافر الشرطين الآخرين أو أحدهما، بينما لا يوجد التأويل الصحيح أبدا حتى يكون اللفظ محتملا.

وعلى هذا، فالنص، بناء على هذا التعريف، يشمل نوعين من الألفاظ:

أحدهما: اللفظ القاطع كألفاظ الأعداد. فهذا اللفظ غير قابل للتأويل لأنه لا احتمال فيه أصلا.

والنوع الآخر: اللفظ الظني المحتمل، لكن لم يرد دليل مقبول يعضد هذا الاحتمال. فهذا النوع من الألفاظ لم يتطرق إليه التأويل أيضا، لا لعدم احتماله للتأويل لغة، وإنما لأنه لم يرد ما يدعم هذا الاحتمال فيجعله راجحا بعد أن كان مرجوحا. فمثلا قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج:29) نصٌّ في وجوب الطواف في الحج، مع أن لفظ الأمر (( وليطوّفوا ) )محتمِلٌ، من حيث الصيغة، للندب، لكن لم يقم على هذا الاحتمال دليل. أما قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} (البقرة:282) فليس نصا في وجوب كتابة الدين ـ مع أنه وارد بصيغة الأمر أيضا ـ لأن الدليل قام ـ عند الجمهور ـ على عدم

(1) الغزالي، المنخول، ص 165.

(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 277.

(3) كالدكتور الصالح صاحب (( تفسير النصوص ) )، ص 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت