الاعتداء على مال اليتيم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء:10) . أما الدلالة الالتزامية القاطعة غير المقصودة (=الإشارية) ، كمقدمة الواجب مثلا، فإنها لا تدخل في مفهوم النص، إذ لا يسوغ القول إن الشارع نص على وجوب إحضار الماء بقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكذا لا يسوغ القول إن الآمر نص على وجوب إحضار السلم عندما قال: (( اصعد السطح ) ).
وأما من جهة ضبط المصطلح فنقول: إن الدلالة الالتزامية تدخل في مفهوم النص سواء أكانت مقصودة أم لا بشرط كونها قطعية. والسير على هذا النهج في تفسير النص أيسر، وأوفق من ناحية عملية وإجرائية. إذ نقول اللفظ: إما أن يدل على المعنى قطعا أو ظنا أو شكا أو وهما. فالمعنى المقطوع هو النص، والمظنون هو الظاهر، والمشكوك هو المشترك، والموهوم هو المؤول. وكل هذا بغض النظر عن كون اللفظ مفردا أو مركبا، وبغضه كذلك عن كونه دالا على معناه بطريق المطابقة أو الالتزام أو التضمن، وبغضه كذلك عن كونه دالا على المعنى بقصد أصلي أو تابع، أو بغير قصد. أما إذا فرَّقْنا عند تحديد نوع اللفظ من حيث قوة دلالته، بين المقصود وغير المقصود، وبين المدلول عليه التزاما والمدلول عليه مطابقة، فسنعقِّد المسألة ونصعِّب القسمة، وسندخل متاهات كثيرة لا سيما في مسألة وجود المقصود وغير المقصود في خطاب الشارع، وإذا وُجدا فكيف يكون الفصل بينهما. ومن هنا فإن ما نميل إليه هو دخول كل قطعي في مسمى النص بغض النظر عن نوع الدلالة وكونها مقصودة أم لا. ولا يضيرنا مخالفة العرف اللغوي لأن للمعاني الاصطلاحية مقتضياتٍ خاصةً تنفرد بها عن المعاني اللغوية.
الملاحظة الرابعة: النص بهذا الإطلاق هو الذي ينبغي أن يُحمل عليه المراد بقولهم في القاعدة الفقهية الأصولية: (( لا اجتهاد في مورد النص ) ) [1] ، أي النص بمعنى اللفظ القاطع لا النص بمعنى الخطاب الشرعي جملة؛ وذلك لأن اللفظ القاطع فقط هو الذي لا يقبل الاجتهاد في تفسيره أو تأويله بخلاف باقي الألفاظ المحتملة. وعلى هذا فليس ثمة ضرورة إلى ما فعله بعض المعاصرين من تقييد كلمة النص في القاعدة بالقطعية، لتصبح القاعدة قائلةً بعد ذلك: لا اجتهاد في مورد النَّص القطعي [2] . وعلى أية حال فالقاعدة حتى بعد هذا التقييد تظل غير صحيحة بعمومها؛ لأن اللفظ حتى لو كان قاطعا فإنه قابل للاجتهاد لا من حيث تفسير المراد به وإنما من حيث تطبيقه على الوقائع؛ فالنص في حدّ السرقة، مثلا، قطعي لكننا نجد أن عمر، رضي الله عنه، قد اجتهد في تطبيقه عام المجاعة فأوقف العمل به. وكذا
(1) البركتي، قواعد الفقه، ص 108.
(2) انظر، مثلا: الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، ص 164.