يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46) . كما تظهر في قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (الملك:10) [1] .
وفضلا عما قلناه عن دور العقل في عملية التدبر نفسها، فإن له دورا آخر تاليا لهذه العملية، وهو حمل صاحبه على العمل والانتفاع بما تم تدبره. وهذا الدور يقوم به بالذات النوع الرابع من أنواع العقل التي ذكرها الغزالي، وهو العقل الذي (( يَعْرِف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها ) ) [2] . أو هو (( ما به ينظُرُ صاحبه في العواقب وبه تُقمع الشهوات الداعية إلى اللذات العاجلة المتعقِّبة للندامة ) ) [3] .
والحاصل لدينا، بعد هذا، أن للعقل ثلاثة أدوار تتعلق بعملية التدبر:
أحدها: تحويل مجموعة المعارف المتعلقة بالخطاب من مجرد معارف محسوسة أو مخزونة في الدماغ إلى معاني، كلا على حدة.
والدور الثاني: التوليف والتنسيق بين هذه المعاني وصولا إلى المعنى الكامل للخطاب.
والدور الثالث: الإفادة من المعنى الكامل للخطاب ـ بعد الحصول عليه ـ فائدة عملية.
مفهوم القرينة العقلية عند الأصوليين مرتبط بمفهوم (( الدليل العقلي ) ). وهم يستخدمونه، في الغالب، مقابل الدليل السمعي أو الشرعي. فيقولون: هذا دل عليه الشرع وهذا دل عليه العقل [4] . وإذا استدلوا على مسألة ما فإنهم يوردون الأدلة السمعية أو النقلية أولا ثم يوردون الأدلة العقلية.
(1) ومن عجائب القرآن ومعجز نظمه أنه يقدِّم القلب/العقل على السمع في جميع الآيات، وذلك لأن المشركين والمنافقين، وهم المخاطبون بتلك الآيات بالدرجة الأولى، كانوا في الغالب، يسمعون القرآن لكنهم لم يكونوا يفقهونه، أي أن سمعهم كان عاملا لكنّ قلوبهم وعقولهم كانت معطلة، كما قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم} [الأنبياء/2] وقال تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} [محمد/16] . إلا أن قاعدة تقديم العقل على السمع انخرمت في الآية: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك/10] فقُدِّم السمع فيها على العقل. وما هذا في نظري ـ والله هو العليم بأسرار كتابه ـ إلا لأن هذه الآية قيلت على لسان أهل النار، وقد باتوا يدركون، بعدما صاروا إلى ما صاروا إليه، أن دور السمع في حصول الهداية وتثبيتها أوثق وأقوى من دور العقل على الرغم من أهمية الدورين.
(2) الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص 102.
(3) آل تيمية، المسودة، ص 499.
(4) كما هو الحال في القياس وخبر الواحد، إذ اختلفوا في مأخذ حجيتهما هل هو الشرع أو العقل.