فهذا من قبيل الصريح. ومنها ما هو نظري، كـ (( الكون حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، إذن، فللكون محدث ) )، وغير ذلك مما يحتاج إلى نظر وتفكر، فهذا من قبيل غير الصريح حتى لو كان قاطعا [1] .
وأما الأدلة الطبيعية فمنها ما يطَّرد كليا بحيث لا يتخلف، ككون النار محرقة والماء مغرقا وغير ذلك، فهذا صريح. ومنها ما يكون مترددا لا كليا ككثير من الأعراض التي تظهر على جسم الإنسان فتحتمل الدلالة على أكثر من نوع من المرض في نفس الوقت فهذا غير صريح.
بعد كل هذا الذي قلناه في معنى صراحة اللفظ خصوصا والدليل عموما، والذي ربما يكون طويلا لكنه ضروري، آن لنا نحدد ما إذا كان (( عدم الصراحة ) )أو الغموض وصفا لازما لدلالة القرينة ـ التي لا تخرج عن كونها دليلا وضعيا أو عقليا أو طبيعيا أو مختلطا من هذا وذاك ـ أو أنه يجوز في القرينة أن تكون صريحة كما تكون غير صريحة. وسنتعرض للقرينة الفقهية أولا ثم نتناول الأصولية وبالذات قرائن الدلالة.
أولا: القرينة الفقهية:
عندما يتكلم الفقهاء عن حجية القرائن في إثبات الحقوق أو التُّهم أو نفيها، فإنهم يستبعدون دليلي الشهادة والإقرار المتفق على حجيتهما بينهم [2] . وإذن، فالقرينة في لغتهم لا تتناول الشهادة ولا الإقرار. ومن هنا، احتاج مُعَرِّف القرينة الفقهية إلى أن يقيدها بقيد بحيث يُخْرج عنها هذين الدليلين بالذات. فمثلا:
• قال الأستاذ الزرقاء في تعريفها: هي (( كل أمارة ظاهرة تقارن أمرا خفيا فتدل عليه ) ) [3] ، فوَصف المدلول عليه بالقرينة بكونه (( خفيا ) )، وهذا يُخرج دليل الشهادة؛ لأن الشهادة إذا اقترنت بالمدلول فهو ظاهر ليس خفيا لأنه مشهود. أما دليل الإقرار، فلا نرى بأن التعريف منع من دخوله فيه، لأن الإقرار قد يدل على ما قد كان خفيا.
(1) وفي الأدلة، من عقلية وغيرها، ينبغي علينا أن لا نخلط بين قوة الدليل من حيث القطعية والظنية والاحتمال وبين صراحته، فكل صريحٍ قطعي أو قريب من القطع، ولكن لا يصح العكس، أي ليس كل قطعي صريحا، وذلك إذا كان هذا القطعي مما لا يتحقق فيه معيار سرعة الإفضاء إلى المدلول كونه يحتاج إلى النظر والتدبر.
(2) انظر: أبو جيب، سعدي، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ط 2، 1404 ه=1984 م، ج 1، ص 201.
(3) الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج 2، ص 918.