فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 384

فإن قيل: لكن الإقرار لا يقارن المدلول عليه، وبالتالي يخرج من التعريف، وبالتالي يكون التعريف جامعا مانعا.

فنقول: وكذلك كثير من القرائن التي ذكرها الفقهاء، اقترانها بالمدلول لا يعني أنها تحصل معه في نفس الوقت، وإنما بمعنى أنها تستلزمه ولو كانت حاصلة بعده، كدلالة وجود المسروق عند السارق على جرم السرقة فهو حاصل بعدها، وكذا دلالة الحمل على الزنا، والتقيؤ على شرب الخمر. والإقرار يستلزم المدلول وإن كان حاصلا بعده، فلا يصح الاعتراض، وتثبت عدم جامعية ومانعية التعريف.

فإن قيل: بل يخرج الإقرار والشهادة من التعريف بتقييد القرينة ابتداء بكونها (( أمارة ) )وهما ليسا أمارتين.

فنقول: هذا يتوقف على ما هو المقصود بالأمارة: فإن كان المقصود بها هو الدليل الظني، كما هو اصطلاح المتكلمين [1] ، فالإقرار والشهادة، أيضا، ظنيان ولا يرقيان إلى القطع بالمدلول. وعليه، لا يخرجان من التعريف. وإن كان المقصود بها ما عدا الشهادة والإقرار من أدلة الإثبات، فهذا نفسه يحتاج إلى إثبات، ولو تم هذا باستقراء كلام الفقهاء وثبوت أنهم يستعملون الأمارة للدلالة على هذا المعنى خاصة ـ ولا أظنه يتم ـ فحينئذ يجدر القول بأن القرينة هي الأمارة فقط، ثم يلزمنا البحث عن تعريف الأمارة من جديد.

• وقال البركتي في معجمه: القرينة هي: (( ما يدل على المراد من غير كونه صريحا ) ) [2] ، فقيَّد القرينة بكون دلالتها غير صريحة، وبالتالي أخرج دلالتي الشهادة والإقرار كونَهما، في لازم رأيه، صريحين. وهذا عملٌ موفَّق، لكن يلزمنا أن نَعْرِف ما هو معنى الصراحة هاهنا. فمن المؤكَّد أنه ليس هو القطع، لأن الشهادة والإقرار ليسا بقطعيين باتفاق، هذا فضلا عن أن ثمة قرائن قد تفيد القطع [3] . إذن، ما هو المقصود بالصراحة؟

(1) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 189 وما بعدها.

(2) البركتي، قواعد الفقه، ص 428.

(3) قال ابن القيم: في قرائن الإثبات بأنها: (( تفيد القطع تارة، والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة ) ). ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 4، ص 379. وقال ابن نجيم: (( إن الحجة: بينة عادلة، أو إقرار، أو نكول عن يمين، أو قسامة، أو علم القاضي بعد توليه، أو قرينة قاطعة ) ). ابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر، تحقيق محمد الحافظ، دار الفكر، دمشق، تصوير عن ط 1، 1986 م، ص 293. وانظر: الموسوعة الفقهية، ج 33، ص 159. ويُمثَّل للقرينة القاطعة ـ كما في المجلة المادة (1741) ـ (( بمشاهدة شخص خارج من دار خالية، خائفا مدهوشا، في يده سكين ملطخة بالدم، فلما وقع الدخول للدار رُئي فيها شخصٌ مذبوح في ذلك الوقت يتشحَّط في دمائه، فلا يُشتبه هنا في كون ذلك الشخص هو القاتل لوجود هذه القرينة القاطعة ) ). وفي هذا التمثيل نظر؛ لأن المذكور في المثال قرائن متضافرة ـ هي: رؤية المتهم، ورؤية القتيل، وخلو الدار ـ لا قرينة واحدة. فنستعيض عنه بالتمثيل بـ (( فحص الدم ) )أو (( تحليل المادة الوراثية ) )كوسيلة لإثبات النسب أو نفيه، فإن دلالتهما قاطعة من ناحية علمية، أو بالتمثيل بالثبوت القطعي لتواجد المتهم في غير مكان وقوع الجريمة وقت حدوثها، فإنّ هذا يدل قطعا على عدم ارتكابه للجريمة شخصيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت