فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 384

الذي يبدو لي، والله أعلم، أن صراحة الشهادة والإقرار تتمثل في أمرين:

أحدهما: كونهما، في الغالب المعتاد، يُثمران ظنا قويا بالمدلول، ومن هنا اتفق الجميع على أنهما حجة، بخلاف القرائن التي لا تثمر الواحدة منها، في الغالب المعتاد، إلا ظنا ضعيفا حتى يحتاج الآخذ به إلى تجميع عدة قرائن تقوي منه.

والأمر الآخر: كونهما، أي الشهادة والإقرار، يُفضيان، في الغالب المعتاد، إلى المدلول بسرعة، بخلاف القرائن التي تتوقف، في الغالب المعتاد ـ وحتى ما كان منها قطعيا ـ على إعمال الرأي والفكر حتى يتم الاستدلال بها.

وعلى ذلك، فقيْدُ (( عدم الصراحة ) )في القرينة الفقهية هو قيد أغلبي، من وجهة نظري، لا يطَّرِد في جميعها، وبالتالي، فليس هو شرطا أساسيا فيها. وإذا تقرر هذا فيمكننا أن نعرِّف القرينة الفقهية ـ كتوصيف لها في لغة الفقهاء ـ بما يمكن أن يكون أدق من تعريفي الزرقاء والبركتي ـ فنقول: هي ما دل، لدى الفقيه، باعتباره مطبِّقا للحكم لا مستنبطا، على إثبات شيء أو نفيه ما لم يكن شهادة ولا إقرارا، أو: هي ما دل، لدى الفقيه، على إثبات شيء أو نفيه ما لم يكن صريحا في الغالب.

ثانيا: قرينة الدلالة:

إذا كان بعضهم، كالبركتي، قد صرّح بأن القرينة الفقهية لا تكون صريحة، فإنا لم نجد من الأصوليين من صرح بوصف القرينة الأصولية بهذا الوصف.

لكن ثمة عبارات صدرت من بعضهم قد تشير إلى هذا الغرض بشكل أو بآخر:

منها: قول الغزالي، بعد أن عرَّف الحرام بـ (( ما أُشعر بعقاب في الآخرة على فعله ) )،: (( فإنْ قلتَ: فما معنى قولك (( أشعر ) )، فمعناه أنَّه عُرف بدلالةٍ من خطاب صريح أو قرينة أو معنى مستنبط أو فعل أو إشارة، فالإشعار يعمُّ جميع المدارك )) [1] . فانظر كيف جعل القرينة قسيما لـ (( الخطاب الصريح ) )مما يقتضي التغاير بينهما، وبالتالي كون القرينة غير صريحة.

ومنها: قوله، وهو بصدد الرد على القائلين بأن الأمر يفيد التكرار: (( الشبهة الثالثة: أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حُملت على التكرار فتدل على أنه [أي: الأمر] موضوعٌ له [أي: للتكرار] . قلنا: وقد حُمل في الحج على الاتحاد فليدل على أنه موضوع له، فإن كان ذلك

(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت