فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 384

المقصد الثاني

تضافر (( مواد المقال ) )في الدلالة على (( معنى المقال ) )

قلنا سابقا بأن (( المقال ) )هو الكتلة الصوتية التي تتحلل إلى المواد التواضعية الثلاث: المعجمية، والصرفية، والتركيبية، أي أنه مجموع هذه المواد الثلاث. وبهذا ندرك أن (( معنى المقال ) )هو المعنى المركب الذي ينتج عن مجموع معاني هذه المواد الثلاث، أو هو، بعبارة مختصرة، المعنى المجموعي لهذه المواد الثلاث. أي أنه يساوي = المعنى المعجمي الناجم عن المادة المعجمية + المعنى الصرفي الناجم عن المادة الصرفية + المعنى النظمي الذي قد ينجم عن أي من المواد الثلاث: المعجمية والصرفية والتركيبية.

ومما يتميز به هذا المعنى المجموعي، عن معنى أجزائه الثلاثة ما يلي:

أولا: أنه معنى غير مُتواضَع عليه، بخلاف المعاني المفردة الناجمة عن كل مادة من مواد المقال على حدة. فإن قيل: كيف يتسم ما تكوَّن من الموضوعات بعدم التواضع؟. فنقول: كم من مركب من أجزاء ذات خصائص معينة يتمتع بخواص جديدة تختلف عن خصائص أجزائه كلا على حدة. انظر، مثلا، إلى ملح الطعام الذي يتكون من مادتين: هما الصوديوم والكلور. فعلى الرغم من أنه يسوغ أكله إلا أن الأجزاء المكونة له لا تُأكل، بل قد تكون سامة إذا أُكلت كلا بمفردها. وهكذا المقال هو بمجموعه ليس مادة تواضعية لكن المواد المؤلِّفة له هي مواد تواضعية. ومعنى كونه ليس تواضعيا أنه خاص بالمتكلم، أو بعبارة أدق، هو من وضع المتكلم لا من تواضع الجماعة اللغوية. ومن الدليل على ذلك: أن المتكلم يستطيع أن يُبدع كلاما مفيدا لم يسبق لأحد قاله من قبل. و أن الفكرة الواحدة إذا دارت في ذهن أكثر من شخص، وأراد كل واحد منهم أن يُعبر عنها بكلام مركب مفيد، فإنك تجدهم يختلفون في اختيار المواد المعجمية والصرفية والتركيبية التي تشكل الخطاب المعبر عن هذه الفكرة [1] ،

(1) فلنفرض، مثلا، أن الفكرة هي: الإخبار عن نزول المطر من السماء، فالمقالات ممكنةُ التعبير عن هذه الفكرة كثيرة جدا: فلو أخذنا أحد طرفي الفكرة وهو المطر لوجدنا المتكلم في سعة هائلة من الاختيارات التي تعبر عنه فبإمكانه أن يقول: المطر، أو الغيث، أو ماء السماء، أو رحمة الله، أو القطر، أو الودق ... الخ. ولو أخذنا الطرف الآخر وهو النزول لوجدنا أن المتكلم بإمكانه أن يقول: ينزل، أو يتساقط، أو يتحدَّر، أو ينصب، أو ينهل ... الخ. ولو أخذنا التركيب الجامع بين الطرفين لوجدنا المتكلم في سعة من التقديم والتأخير فله أن يقول المطر ينزل أو ينزل المطر، وهكذا باقي التعبيرات. وهذا كله محتمل إذا أراد المتكلم أن يعبر عن الفكرة بجملة خبرية طرفاها الاسم (( مطر ) )ومرادفاته، والفعل (( ينزل ) )ومرادفاته، فإذا أراد أن يغير في الأطراف ـ مع بقاء نفس المعنى المعبِّر عن الفكرة ـ نجد بأن الاحتمالات تتعدد جدا، فبإمكانه، مثلا، أن ينسب فعل المطر إلى السماء أو ما يسد مسدها فيقول: السماء تمطر، أو الدنيا تمطر، أو السحاب ينزل. وبإمكانه أن يقدم أو يؤخر. ثم بإمكانه أن يعدد الأطراف إلى ثلاثة فيقول: السماء (أو ما يسد مسدها) تنزِّل (أو ما يسد مسده) المطر (أو ما يسد مسده) . وتتعدد هنا إمكانيات التقديم والتأخير أكثر مما سبق لتعدد الكلمات. وهذا كله إذا أراد أن يعبر عن الفكرة بمعنى صريح فإذا أراد أن يلجأ إلى الكناية أو اللزوم تعددت احتمالات التعبير أكثر فأكثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت