فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 384

أي أن لكل متكلم طريقته الخاصة وحريته الواسعة في التعبير عن هذه الفكرة. ولو كان ثمة تواضع لما اختلفوا هذا الاختلاف ولعبروا جميعا عن الفكرة بخطاب واحد متواضع عليه بينهم لإفادة معنى الفكرة المذكورة. فالمقال يشبه لوحة الرسام، والمواد التواضعية المكوِّنة له تشبه الألوان التي يُؤلف منها الرسام لوحته. فالألوان معروفة ومحدودة وفي متناول الجميع، أي أنها متواضع عليها، كالمواد الثلاث تماما، لكن الرسم المؤلف من هذه الألوان خاص بالرسام وحده، من إنشائه ووضعه هو. وكذلك المقال المكوَّن من المواد التواضعية الثلاث خاص بالمتكلم وحده، ومن إنشائه هو. ولهذا يتفاوت الناس في البلاغة مع أن المعنى المعبَّر عنه قد يكون واحدا، حتى قال أهل الأدب: (( إنَّ من أخذ معنى عاريا [أي: مِن غيره] فكساه لفظا من عنده كان أحقَّ به ) ) [1] .

ثانيا: أن معنى المقال الذي هو المعنى المجموعي للمواد الثلاث يستلزم الحصولُ عليه إعمالَ الأداة العقلية لكي تقوم بالتوليف والجمع بين المعاني المفردة التي تفيدها كل مادة من المواد الثلاث على حدة، والتركيب عمل عقلي بلا شك. أما المواد الثلاث، فمعانيها كلا على حدة لا يستلزم إعمال العقل، إذ هي كما قلنا تفيد معناها بالتواضع، والتواضع لا يحتاج إلى العقل بل فقط إلى المعرفة به وتذكّره.

ثالثا: أن معنى المقال أقل احتمالية للتعدد من معنى كل مادة من المواد الثلاث على حدة. فمثلا، كلمة (( يضرب ) )معناها المعجمي متعدد جدا كما سبق لنا أن ذكرنا، أما معناها الصرفي فقد يُظن بأنه ليس متعددا. لكنه، في واقع الأمر، متعدد فعلا، إذ هو قابل لأن يدل على حصول الفعل في الحال، وهو المعنى الظاهر للصيغة، أو على حصوله في الاستقبال، كما لو سُبق بـ (( سوف ) )أو بـ (( لن ) )أو (( لا ) )كما في: لا تضرب أخاك غدا، أو على حصوله في الماضي، كما لو سُبق بـ (( لم ) )، أو اقترن به ما يدل على المُضي كما في: رأيت زيدا يضرب عمروا بالأمس. وأما المعنى النظمي الناجم عن المادة التركيبية فقط ـ أي من غير مساعدة المعنى الصرفي والمعجمي ـ فهو أيضا، وفي الغالب، متعدد. فمثلا، علامة الرفع الإعرابية تحتمل الدلالة على المبتدأ، وعلى الخبر، وعلى الفاعل، وعلى نائب الفاعل،

(1) الجرجاني: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، دار الخانجي، القاهرة، ص 483. نقلا عن عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني. وهذا المبدأ، إن كان يسوغ في الأدب، فلا يسوغ في الأبحاث العلمية بتاتا، لأن مقصود الأدب، في الغالب، تجويد اللفظ، أما البحث العلمي فمقصوده المعنى والأفكار لا غير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت