فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 384

دون المتبقي في العروق مثلا. وقولُه، صلى الله عليه وسلم: (( أُحلت لنا ميتتان ودمان ... ) ) [1] ، انفرد، أيضا، من بين نصوص سياق الوحي ككل بالتأثير المباشر على الآية نفسها، وبالذات على عموم كلمتي (( الميتة ) (( الدم ) )، وهكذا ... .

وسبب هذه الظاهرة، والتي هي انفراد مواد كلامية معينة في السياق الأوسع بـ (( التأثير المباشر ) )على السياق الأضيق، هو قوة الارتباط الموضوعي بين هذه المواد الكلامية وبين السياق، أو جزء السياق، الذي أثّرت فيه. والوحدة الموضوعية هي المعيار الثاني للسياق كما عرفت.

خامسا: السياق عند اللغويين المعاصرين:

السياق في معناه الشائع عند المعاصرين نوعان:

السياق اللغوي: وهو، كما يقول عدنان بن ذريل: (( جوار الكلمات في التلاصق الركني الذي للجُمَل في الملفوظ، أي ما يسبقها، وما يلحقها من مفردات ) ) [2] .

والسياق الحالي أو المواقفي: وهو: (( مجموع العوامل والظروف الاجتماعية، وخاصة الثقافية، التي تحيط وأحاطت بالمتكلم والسامع ) ) [3] .

وقال ستيفن أولمان: (( كلمة السياق قد استُعملت حديثا في عدة معان مختلفة. والمعنى الوحيد الذي يهم مشكلتنا في الحقيقة هو معناها التقليدي، أي: (( النظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم ) )، بأوسع معنى هذه العبارة. إن السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل ـ لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب ـ بل والقطعة كلها، والكتاب كله. كما ينبغي أن يشمل ـ بوجه من الوجوه ـ كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات. والعناصرُ غير اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تُنطق فيه الكلمة لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن )) [4] .

وهذا الاستعمال الواسع للسياق لا شك أنه يباين الاستعمال الاصطلاحي لدى علمائنا الأقدمين من أصوليين وغيرهم للكلمة (( سياق ) ). وأكثر مدى من الاتساع وجدنا السياق بلغه في استعمال الأقدمين هو سياق السورة [5] . أما الأحوال والظروف المحيطة بالخطاب فلم نجد من وصفها منهم بالسياق إلا بشرط أن يرد ذكرها في الكلام السابق للخطاب أو اللاحق له، وحينئذ لا يخرج السياق عن كونه مادة كلامية لا حالية.

(1) ابن ماجة، السنن، (3305) ، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال. وغيره، ضعفه الدارقطني وابن أبي حاتم مرفوعا، والأصح أنه موقوف لكن له حكم المرفوع كما قال ابن حجر في، تلخيص الحبير، ج 1، ص 25.

(2) ابن ذريل: عدنان، اللغة والدلالة، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، 1981 م، ص 160.

(3) المرجع السابق.

(4) أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 68.

(5) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 1، ص 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت