فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 384

أيام لم يُسق لمجرد الإخبار كما هو الظاهر، بل لضرب المثل في خلق شيء هو أعظم من بعث الإنسان وإعادة إحيائه، وبالتالي كانت قدرته، تعالى، على البعث الذي هو أهون من خلق السماوات والأرض أكبر من باب أولى. وكان المقصود في الآية هو كما قال، تعالى، في آية أخرى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (غافر:57) فانظر كيف دلنا السياق على المعنى المقصود أصلا من سوق الآية مع أن الآية، معزولةً عن السياق، لا تقوى على الكشف عنه.

وفي صدد تتالي الأسيقة وتحلُّقها ينبغي علينا أن نلاحظ أمرين:

أحدهما: أن تأثُّر السياق الأضيق بما هو فوقه من الأسيقة يخف باطراد كلما سرنا باتجاه الأسيقة الأكثر اتساعا. فتأثُّر الكلمة بسياق الجملة التي وردت فيها تأثرٌ كبير، وتأثر الجملة بسياق مجموعة الجمل المحيطة بها هو تأثر أخف نوعا ما من تأثر الكلمة بسياق الجملة. وتأثر مجموعة الجمل بسياق الفصل أو الباب من الكتاب الذي وردت فيه أخف بشكل أكبر من تأثر الجملة بمجموعة الجمل. وتأثر سياق الفصل بسياق الكتاب ككل أخف بكثير جدا من تأثر مجموعة الجمل بسياق الفصل، وهكذا ... . وسبب هذه الظاهرة هو ضعف معيار التتابع في السياق كلما سرنا من السياق الأضيق إلى السياق الأوسع فالأكثر اتساعا ... .

والأمر الآخر الذي نلاحظه هو: أن ثمة مواد كلامية ـ كلمة، أو جملة، أو مجموعة جمل ـ تنتمي إلى السياق الأوسع قد تنفرد عن باقي المواد التي يضمُّها هذا السياق بـ (( تأثير مباشر ) )على السياق الأضيق أو على جزء منه. فمثلا في قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده ) ) [1] ، الكلمة (( باتت ) )في الجملة الأخيرة انفردت من بين كلمات الجملة (( فإنه لا يدري أين باتت يده ) )، والتي تُعد سياقا تاليا للجملة التي قبلها، بالتأثير المباشر على الكلمة (( نومه ) )الواردة في الجملة الأولى، وذلك بأن خصصتها وجعلتها قاصرة على نوم الليل دون نوم النهار؛ لأن فعل البيات لا يُستعمل، لغة، إلا في نوم الليل [2] .

مثال آخر: قوله، تعالى: {عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (الأنعام:145) وبالذات قوله: (( أو دما مسفوحا ) )انفرد من بين نصوص سياق القرآن المكي بالتأثير المباشر على قوله، تعالى، ضمن سياق آية سورة النحل {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (النحل:115) وبالذات على عموم كلمة (( الدم ) )، ليجعله خاصا بالدم المسفوح فقط

(1) مسلم، الصحيح، (416) ، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها قبل غسلها ثلاثا.

(2) وهذا هو رأي الإمام أحمد في معنى الحديث، انظر: ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت