الفكرة على القرآن الكريم مثلا، قلنا بأن الكلمة القرآنية تقع في سياق جملة ما. والجملة تقع في سياق آية ما. والآية تقع في سياق مجموعة من الآيات. ومجموعة الآيات تقع في سياق سورة ما. والسورة: إما تقع في سياق المكي أو سياق المدني. والمكي أو المدني يقعان في سياق القرآن الكريم ككل. والقرآن الكريم يقع في سياق الوحي ككل بشقيه المتلو وغير المتلو، أي السنة. ولولا التحريف الذي لحق الكتب السماوية الأخرى، وأن الرسالة المحمدية ناسخة لها ومهيمنة عليها، لقلنا، أيضا، بأن الوحي ككل يقع في سياق أكبر منه هو الرسالات السماوية عامة.
إذن، فكل سياق مما ذكرنا يشكل حلقة تندرج في حلقة أكبر منها، وهكذا ... . والمَعْلَم الذي يحدد لنا مكان الفصل بين كل سياق والذي يليه هو المقصد أو الغرض الذي يمكن أن ينطوي عليه كل سياق من هذه الأسيقة؛ إذ المقاصد، بموازاة الأسيقة، يمكن النظر إليها نظرة تصاعدية من المقصد الأخص إلى المقصد الخاص إلى المقصد العام إلى المقصد الأعم إلى المقصد الأكثر عموما ... الخ. فمثلا، قولُه، تعالى، في سورة ق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (ق:38) هو سياق آية سيق مخبرا عن خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام. وهذا السياق يندرج تحت سياق أعم منه هو سياق السورة، والتي سيقت، بشكل أساس، لبيان قدرة الله عز وجل على البعث والإحياء. وسياق السورة يندرج بدوره في سياق القرآن المكي، والذي سيق، بشكل أساس، لتجلية مسائل الاعتقاد ومهاجمة التصورات الجاهلية وبيان عواقب الكفر والإيمان. وسياق القرآن المكي يندرج بدوره في سياق القرآن الكريم ككل، والذي سيق إجمالا لهداية الخلق وتحقيق سعادتهم في الدارين. وسياق القرآن يندرج في سياق الوحي ككل، والذي سيق، أيضا، لهداية الخلق وتحقيق سعادتهم في الدارين لكن على نحو تفصيلي أكثر من سياق القرآن وحده.
والفائدة المرجوة من النظر إلى المادة الكلامية مُتَمَوضِعةً ضمن هذه السياقات المتعددة والمتتالية هو أن كل سياق من السياقات هو خادم للسياق الأكبر منه، ويصب فيه مَصَبَّ الأمر الخاص في الأمر العام، ولذا فلو فُرض وجود جانب من الغموض في السياق الأضيق فإن السياق الذي يليه اتساعا يتكفل بإلقاء شيء من الضوء عليه لتجليته.
فقوله، تعالى، الذي أوردناه آنفا، وهو {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (ق:38) لم يكن لينجلي المراد الدقيق للباري منه لولا وقوفنا على سياق السورة التي ضمته. إذ إن مقال أو سياق هذه الآية لا يدل إلا على إخباره، سبحانه وتعالى، عن خلقه السماوات والأرض في المدة المذكورة، لكن لما عرفنا أن سياق السورة الذي ضم الآية يتحدث، بشكل أساس، عن موضوع قدرة الله عز وجل على البعث الذي كان يتشكك فيه المشركون، أدركنا أن إخباره، تعالى، عن خلقه السماوات والأرض في ستة