فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 384

3.أو كأن لا يُذْكَرَ الوصف مستقلا، فلو ذُكِر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة:187) فإن قوله: (( في المساجد ) )لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة؛ فإن المعتكف يحرم عليه المباشرة مطلقا.

4.أو كأن يظهر من السياق قَصْدُ التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:284) فنحن نعلم أن الله قادر على المعدوم الممكن، وهو ليس بـ (( شيء ) )، وإذن، فالمقصود بقوله تعالى: (( كل شيء ) )التعميم في كل ما أمكن حتى لو كان معدوما لا قصر الحكم على الموجود الممكن.

والملاحظ أن هذه الأمور التي يبطل بها المفهوم المخالف إنما يُتوصل إليها من خلال السياق، سواء سياق النص نفسه أو السياق الذي ورد فيه النص.

وبهذا نصل إلى ختام ما أردنا ذكره من المباحث الأصولية المتعلقة بالسياق ـ سياق الخطاب أو السياق الذي ورد فيه الخطاب ـ ككل، وحان الآن دور الحديث عن النوع الآخر من المباحث الأصولية وهي:

ثانيا: المباحث الأصولية المتعلقة بتأثير السياق، كأجزاء، على دلالة الخطاب:

نَظَرَ الأصوليون إلى نصوص الوحي، قرآنا وسنة، نظرة متكاملة واعتبروها سياقا واحدا. فالقرآن عندهم (( من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة ) ) [1] ، والقرآن والحديث (( كلفظةٍ واحدةٍ وخبرٍ واحدٍ موصولٍ بعضه ببعض، ومضافٍ بعضه إلى بعض، ومبنيٍ بعضه على بعض ) ) [2] .

ومساحة عريضة من البحث الأصولي شغلها الوفاء بمتطلبات هذه النظرة التكاملية لنصوص الوحي. فمباحث التأويل والتفسير والتقييد والتخصيص بالأدلة المتصلة والأدلة المنفصلة، ومباحث النسخ، ومباحث الترجيح كلها تصب في خدمة الحفاظ على (( تكامل النصوص ) )وتستلزم الاستنتاج بأن نصوص الوحي لم تكن ـ في نظر الأصوليين ـ إلا سياقا واحدا.

وأكثر ما يتجلى الإبداع الأصولي في مجال بحث تأثير أجزاء محددة في السياق على دلالة النص هو عند خوضهم في مباحث مخصصات العام المتصلة والمنفصلة. فالمخصصات

(1) الشيرازي، اللمع، ص 44.

(2) ابن حزم، الإحكام، ج 2، ص 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت