• ومنه: ما يكون بالاستثناء، كقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} (البقرة:237) .
• ومنه: ما يكون بلفظ الاستدراك، كقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} (المائدة:89) .
• ومنه: أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله، عليه السلام: (( للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم ) ) [1] .
ومنها: أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود وتحقيق مطلوب، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر لو لم يُقدَّر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره، فإنه يُعدُّ خبطا في اللغة واضطرابا في الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} (الجمعة:9) فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع فلو لم يُعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة وما سيق له الكلام ولا تعلَّق به، وذلك ممتنع لما سبق.
ومنها: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا، كقوله، عليه السلام: (( لا يقضي القاضي وهو غضبان ) ) [2] ، فإنه يُشعِر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال )) [3] .
وفي هذه الأنواع من أنواع دلالة الإيماء نلاحظ مدى تأثير سياق الخطاب والسياق الذي ورد فيه الخطاب على الوقوف على علة الحكم الذي اشتمل عليه الخطاب.
• وأما فيما يتعلق بإبطال دلالة مفهوم المخالفة: فقد ذكر الأصوليون بأن مفهوم المخالفة يبطل في بعض الأحوال [4] :
1.كأن يكون المنطوق قُصِد به زيادة الامتنان على المسكوت عنه، كقوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} (النحل:14) فَوَصْف اللحم بكونه طريا لا مفهوم له، أي أن النص لا يدل على المنع من أكل اللحم غير الطري، كالقديد مثلا.
2.أو كأن يكون المنطوق قُصِد به التفخيم وتأكيد الحال، كقوله، صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث ) ) [5] فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له، وإنما ذُكر لتفخيم الأمر لا للمخالفة.
(1) البخاري، الصحيح، (3903) ، كتاب المغازي، غزوة خيبر.
(2) البخاري، الصحيح، (6625) . كتاب الأحكام، هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان.
(3) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 279 ـ 286 باختصار وتصرف.
(4) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 22،23. وابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 492 ـ 495.
(5) البخاري، الصحيح، (1201) ، كتاب الجنائز، باب إحداد المرأة على غير زوجها. مسلم، الصحيح، (2730) ، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك.