فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 384

المطلب الرابع

التطور التاريخي لمصطلح القرينة

لا شك أن القرينة، كمضمون، أو كوسيلة في الاستدلال على المراد من الكلام، أو على صدق ناقله، قديمةٌ قِدم التاريخ، فهي موجودة منذ وُجد الكلام نفسه. وذلك لأنها طبيعةٌ وعادةٌ مستحكِمة في البشر أن يفهموا المراد من القول لا منه فقط، معزولا عما حوله وما يحيط به، وإنما بالاستعانة بما تقدم أو تأخر عنه من أقوال، أو بما أحاط به من أحوال تتعلق بالمتكلم أو المخاطب أو سبب التخاطب وغير ذلك.

أما بالنسبة للنص الديني على وجه الخصوص، فاعتبار القرينة معه قد كان منذ اليوم الأول الذي أُنزل فيه، حتى قالت خديجة، رضي الله تعالى عنها، بعد أن أخبرها النبي، صلى الله عليه وسلم، خبر ما أُنزل إليه أول مرة: (( كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ) ) [1] ، فاستدلت بقرائن أحواله، صلى الله عليه وسلم، وهو المخاطَب الأول بالوحي، وبقرينة حال المتكلم، وهو الحكيم الخبير، أن الله تعالى لن يريد به وبما أوحاه إليه سوءًا، ولن يضيعه أبدا.

وأما بعد ذلك، فلقد شاع ـ من قِبل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ـ الاستدلالُ بالقرائن: تارة على ثبوت النص أو ضعفه، وأخرى على تحديد المراد به، وثالثة على نسخه أو ترجيحه، وسيمر بنا في هذه الرسالة قدْرٌ لا بأس به من الروايات عنهم في ذلك.

وعلى نهج الصحابة سار التابعون ومَنْ بعدهم، وهكذا حتى بدأ تدوين العلوم في القرن الثاني الهجري. ومن جُملة ما دُوِّن علمُ أصول الفقه على يد الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، (150 ه‍ - 204 ه‍ (.

ولئن ظفرنا بالقرينة مضمونا، عند كل من مضوا من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، وكذلك عند الإمام الشافعي، فإنّا لم نجد فيهم من يستخدمها كمصطلح. ولقد كان الشافعي، رحمه الله تعالى، سواءٌ في رسالته الأصولية أو في كتاباته الأخرى، يستعيض عن القرينة بمصطلح (( الدلالة ) )فيقول مثلا:

(( القرآن على ظاهره حتى تأتي دلالة منه أو سنة أو إجماع بأنه على باطن دون ظاهر ) ) [2] .

و (( ما نهى عنه رسول الله فهو التحريم حتى تأتي دلالة عنه على أنه أراد به غير التحريم ) ) [3] .

(1) البخاري، الصحيح، (3) . ومسلم، الصحيح، (231) .

(2) الشافعي: محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، القاهرة،1358 هـ=1939 م، ج 2، ص 580.

(3) الشافعي، الرسالة، ج 2، ص 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت