و (( الحديث على عمومه وظهوره، وإن احتمل معنى غير العام والظاهر، حتى تأتي دلالة على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر ) ) [1] .
و (( النهي عندنا تحريم إلا أن تأتي دلالة أنه اختيار لا تحريم ) ) [2] .
والدلالة في لغة الشافعي، ولعلها كانت كذلك في لغة عصره، لا ترادف القرينة تماما بل هي أعم منها، إذ قد وردت بمعنى القرينة (= الدليل المقترن بالنص) كما ذكرنا، وبمعنى الدليل المبتدَأ [3] ، وبمعنى دلالة الدليل [4] ، وبمعنى الدلالة الخفية أو المستنبطة [5] ، وبمعنى الندب والإرشاد [6] .
وأول من وقفنا على كلامه من الأصوليين يذكر القرينة باسمها هو أبو بكر الجصاص (ت 370 ه [7] ، وإن كان ذكرُه للدلالة والدليل عوضا عنها أكثر بكثير. ثم فشا استخدام القرينة عند المتقدمين من الأصوليين كالباقلاني (ت 403 ه (وأبي الحسين البصري (ت 436 ه (، ومَنْ بَعدَهم، وإلى عصرنا الحالي.
والذي نراه في كيفية نشأة اصطلاح القرينة عند الأصوليين ثلاثة احتمالات:
(1) الشافعي، الأم، ج 5، ص 162.
(2) الشافعي: محمد بن إدريس، اختلاف الحديث، تحقيق عامر حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط 1، 1405 هـ=1985 م، ج 1، ص 216.
(3) ويدل لذلك: قوله ـ أحكام القرآن، ج 1، ص 153 ـ: (( ... فإن قيل فهل من دلالة غير ذلك؟ قلت: نعم قال الله لنبيه: شاورهم في الأمر ... ) ). وقوله ـ الأم، ج 1، ص 74 ـ: (( لا أقيس شيئا من المواقيت على غيره، وهي على الأصل، والأصلُ حديث إمامةِ جبريل النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، إلا ما جاء فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، خاصّةً، دلالةٌ، أو قاله عامة العلماء لم يختلفوا فيه ) ).
(4) ويدل لذلك مواطن كثيرة: منها قوله ـ الأم، ج 6، ص 247 ـ في حديث القائف الذي أقره النبي، صلى الله عليه وسلم،: (( إنه وإن لم يكن فيه حكم فإن فيه دلالة على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، رضيه ورآه علما، لأنه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سره ما سمع منه، إن شاء الله تعالى، ولنهاه أن يعود له ) ). وكقوله في مواطن جمَّة: (( وعليه دلالة السنة ) )، أو (( وعليه دلالة الكتاب ) )، أو (( وفي حديث فلان دلالة على ... ) )، أو (( وفي الآية دلالة على ... ) ). انظر: أحكام القرآن، ج 1، ص 78،95،170،172،174،257.
(5) ويدل لذلك قوله ـ أحكام القرآن، ج 1، ص 18 ـ عن القرآن الكريم: (( وبيَّن [اللهُ تعالى] فيه: ما أحلّ وما حرّم، وما حمد وما ذم، وما يكون عبادة وما يكون معصية، نصا أو دلالة ) )
(6) و يدل لذلك قوله ـ أحكام القرآن، ج 2، ص 126 ـ عن أمره، تعالى، بالإشهاد على البيع: (( التوفيق أن يكون أمره بالإشهاد في البيع دلالةً لا حتمًا ) ). وقوله ـ الأم، ج 3، ص 89 ـ (( فلما أمر الله عز وجل بالكتاب ثم رخص في الإشهاد إن كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبا، احتمل أن يكون فرضا وأن يكون دلالة ) ).
(7) قال في أحكام القرآن ـ ج 1، ص 197 ـ: (( فحقيقة هذا الكلام غير مستعملة ومجازه يحتاج إلى قرينة ) ). وقال ـ ج 2، ص 340 ـ: (( ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم، والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة، وأمكننا استعمالهما على فائدتهما، لم يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى ) ). وقال ج 4، ص 202 ـ: (( الأمر يقتضي الوجوب بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة ) ). ولم نجده يذكر القرينة في الفصول وإنما يستخدم لفظ (( الدلالة ) )و (( الدليل ) )و (( دلالة الحال ) ).