الأول: أنها وليدة علم الأصول كتطوير لغوي ـ أو تخصيص ـ لاصطلاح (( الدلالة ) )التي هي بمعنى الدليل. وذلك أن الدلالة ـ بمعنى الدليل ـ نوعان: مبتدَأة، ومقترنة بالخطاب. وفي أول الأمر، لَمّا كان يحتاج الأصوليون للتعبير عن الدلالة المقترنة بالخطاب، كانوا يضيفون لفظ الدلالة إلى الخطاب بواسطة المادة (( قرن ) )أو إحدى مشتقاتها: كما قال الخفّاف (ت ? 350 ه (:(( فعلُ النبي، صلى الله عليه وسلم، غير واجب علينا إلا في خصلتين: أن يكون فعله بيانا، أو يقارنه دلالة ) ) [1] . وكما قال القفال الشاشي (ت 365 ه (:(( قد يقترن بالخطاب من دلالة الحال ما يقف به السامع على مراد الخطاب ) ) [2] . وقال: (( إذا ورد الخطاب مجردا من دلالة تقترن به، فالواجب على المخاطب قبل النظر أن يعتقد ما حصل عنده من ظاهر اللفظ ) ) [3] . وكما قال الجصاص (ت 370 ه (:(( ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة:38) لما بيَّنا أنه مجملٌ بما اقترن إليه من توقيف الرسول، صلى الله عليه وسلم، على اعتبار ثمن المجن )) [4] . وعندما شاعت مثل هذه الإضافة اكتفى أو استعاض الأصوليون، تلقائيا، وانسجاما مع قانون الاقتصاد في الألفاظ [5] بالتعبير عن الدليل المقترِن، أو عن الدلالة المقترنة، بـ (( القرينة ) ).
ومما قد يُعتبر مثالا واقعيا على مثل هذا التطوُّر في اللغة الأصولية أن الفخر الرازي عندما قسَّم الألفاظ المفيدة للعموم قال: إن اللفظ الذي يفيد العموم: (( إما أن يفيده: لكونه اسما موضوعا للعموم، أو لأنه اقترن به ما أوجب عمومه ) ) [6] . فلما عَمِد البيضاوي إلى تلخيص المحصول في كتابه (( المنهاج ) )قال: (( العموم: إما لغة بنفسه كـ (( أي ) )للكل ... أو بقرينة ... )) [7] . فها أنت ذا ترى كيف تَحوَّل ما كان بصيغة الفعل (( اقترن ) )عند الرازي، إلى صيغة الاسم (( قرينة ) )عند البيضاوي.
الاحتمال الثاني: أنها انتقلت إلى علم الأصول عن طريق علماء الكلام، إذ قد شاع القول عن إبراهيم ابن سيّار النّظّام (ت ? 221 ه [8] : إن خبر الآحاد قد يفيد العلم الضروري
(1) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 188.
(2) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 38.
(3) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 39.
(4) الجصاص، أحكام القرآن، ج 4، 64.
(5) انظر: أولمان: ستيفن، دور الكلمة في اللغة، ترجمة وتقديم وتعليق كمال بشر، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط 12، ص 180،201.
(6) الرازي، المحصول، ج 1، ص 354.
(7) البيضاوي: ناصر الدين عبد الله بن عمر، منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، ومعه الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج، علق عليه سمير المجذوب، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1405 هـ=1985 م، ص 76.
(8) هو شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار مولى الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم. تكلم في القدر وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ. وكان يقول: إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر ولو كان قادرا لكنا لا نأمن وقوع ذلك. وله نظم رائق، وترسل فائق، وتصانيف جمة، منها: كتاب الطفرة، وكتاب الجواهر والأعراض، وكتاب حركات أهل الجنة، وكتاب الوعيد، وكتاب النبوة، وأشياء كثيرة لا توجد. مات في خلافة المعتصم أو الواثق سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 541، 542.