إذا اقترنت به القرائن [1] . فلم يرتض قولَه الباقلاني، لكن وافقه إمام الحرمين والغزالي والرازي [2] . ولولا أن الأصوليين لا يلتزمون، عند نقل المذاهب، النصَّ الحقيقي لصاحب المذهب، بل ربما نقلوه بمعناه، لكان هذا الاحتمال قويا.
والاحتمال الثالث: أنها انتقلت إلى علم الأصول عن طريق علماء النحو. وهو الاحتمال الذي قد يكون راجحا لأمرين:
الأول: لما نقله الشوكاني (ت 1250 ه (في تفسيره عن الفراء النحوي المعروف (ت 207 ه [3] من ذكره القرينة. قال الشوكاني: (( ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا[أي قوله
(1) قال أبو الحسين البصري ـ المعتمد، ج 2، ص 92،93 ـ (( قال أكثر الناس [في خبر الواحد] : إنه لا يقتضي العلم. وقال آخرون يقتضيه: واختلف هؤلاء فلم يشترط قوم من أهل الظاهر اقتران قرينة بالخبر، وشرط أبو إسحاق النظام في اقتضاء الخبر العلمَ اقترانَ قرائن به. وقيل: إنه شرط ذلك في التواتر ) ). وقال: (( ولعل أبا إسحاق عنى بالقرائن بالأخبار المتواترة ما لا ينفك منها الأخبارُ المتواترة، نحو امتناع اتفاق الكذب منهم، وأن لا يصح فيهم التواطؤ ) ).
وقال إمام الحرمين في تلخيصه لتقريب الباقلاني ـ التلخيص، ج 2، ص 292 ـ: (( ومقصدنا بما ذكرناه الرد على النظام فإنه صار إلى أن خبر الواحد قد يقترن في بعض الأحوال بقرائن فيفضي معها إلى العلم الضروري ) ).
وقال في البرهان ـ ج 1، ص 3374 ـ (( لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود، ولكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به. فإذا وجدنا رجلا مرموقا، عظيم الشأن، معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات، حاسرا رأسه، شاقا جيبه، حافيا، وهو يصيح بالثبور والويل، ويذكر أنه أُصيب بوالده أو ولده، وشُهدت الجنازة، ورُئي الغسّال مشمِّرا يدخل ويخرج، فهذه القرائن وأمثالها، إذا اقترنت بإِخباره، تضمنت العلمَ بصدقه، مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبل وجِنة. والذي ذكره النظام ما أراه إلا في مثل هذه الصورة، فإنه لا يخفى على غبي من حثالة الناس أن الواحد قد يخبر صادقا وقد يخبر كاذبا فلا تقع الثقة بإخباره. ولكن لعله قال [أي النظام] : لا يبعد أن يحصل الصدقُ بإِخبار واحد، فعُزي إليه جزمُ القول في ذلك مطلقا. وليس من الإنصاف نسبةُ رجل من المذكورين إلى الخروج عن المعقول من غير غرض ) ).
هذا، ومن الأصوليين من حكى مذهب النظام ولم يصرح بذكر القرينة أو القرائن، وإنما استعاض عن ذلك بذكر مقارنة السبب أو الأسباب، كالسرخسي، إذ قال في أصوله ـ ج 1، ص 330 ـ: (( ويُحكى عن النظام أن خبر الواحد عند اقتران بعض الأسباب به موجبٌ للعلم ضرورة. قال: ألا ترى أن مَن مرَّ بباب فرأى آثار غسل الميت، وسمع عجوزا تخرج من الدار، وهي تقول: مات فلان، فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر؛ لاقتران هذا السبب به ) ). وكالشيرازي، إذ قال في التبصرة، ص 298: (( أخبار الآحاد لا توجب العلم ... وقال النظام: فيها ما يوجب العلم وهو ما قارنه سبب ) ).
(2) انظر: الرازي، المحصول، ج 2، ص 14.
(3) هو العلامة، صاحب التصانيف، أبو زكريا يحيى بن زياد ابن عبد الله ابن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي، صاحب الكسائي. ورد عن ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية ولسقطنا، لأنه خلصها، ولأنها كانت تُتنازع ويدعيها كل أحد. وعن ثمامة بن أشرس: رأيت الفراء: ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، وعن النحو فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته عارفا باختلاف القول، وبالطب خبيرا، وبأيام العرب والشعر والنجوم، فأعلمت به أمير المؤمنين فطلبه. وقيل: عُرف بالفراء، لأنه كان يفري الكلام. مات بطريق الحج سنة 207 هـ، وله ثلاث وستون سنة. انظر: الذهبي، سير أعلام العلماء، ج 10، ص 118 - 121.