تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} (يوسف:52) ] من كلام يوسف، عليه السلام. قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلَّت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به )) [1] .
والأمر الثاني: لما نقله ابن جرير الفقيه والمفسِّر (ت 310 ه (عن أحد نحويي الكوفة، ولم يسمِّهْ، من تصريحه بذكر القرينة في تفسير بعض الآيات، مع أن ابن جرير نفسَه لا يستخدم مصطلح القرينة في تفسيره بتاتا. قال ابن جرير أثناء بيان معنى(( أو ) )في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سبأ:24) : (( قال بعض نحويي الكوفة: معنى (( أو ) )ومعنى (( الواو ) )في هذا الموضع في المعنى، غير أن القرينة على غير ذلك. لا تكون (( أو ) )بمنزلة (( الواو ) )، ولكنها تكون في الأمر المفوّض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذ ثلاثة )) [2] .
هذا هو ما لدينا بشأن (( تاريخ ) )القرينة الأصولية.
أما القرينة الفقهية، فلا نجد لها ذكرا ـ بحسب معطيات الحاسب الآلي ـ في لغة الأوائل من الفقهاء. ولعل أول من وجدناه يذكرها هو الفقيه ـ الشافعيُّ مذهبا ـ علي أبن أبي هريرة (ت 345 ه [3] . قال النووي: (( فصلٌ: متى تيقن الزوج أنها زنت بأن رآها تزني جاز له قذفها ... وعن ابن أبي هريرة: يجوز بمجرّد القرينة ) ) [4] . قلت: ولعلها حكاية مذهبه لا نص قوله. فإذا كان كذلك، فمن المحتمل أن القرينة كمصطلح انتقلت من الأصول إلى الفقه فاستخدمها الفقهاء عند مناقشة الأدلة الشرعية في آحاد المسائل، إذ هي تتأثر جدا بالقرائن.
(1) الشوكاني، فتح القدير، ج 3، ص 34. ولقد بحثت عن كلام الفراء في مظنته من كتابه (( معاني القرآن ) )فلم أجده على النحو الذي ذكره الشوكاني، وإنما قال: (( ربما وُصل الكلام بالكلام، حتى كأنه قولٌ واحد، وهو كلام اثنين، فهذا من ذلك ) ). وليس في هذا الكلام ذكرٌ للقرينة، فإذا لم يكن الشوكاني قد نقل كلام الفراء من موضع أو كتاب آخر فهو، إذن، نقلٌ بالمعنى، وعليه، فلا دلالة فيه على المطلوب. انظر: الفراء: أبو زكريا يحيى بن زياد، معاني القرآن، تحقيق محمد النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، ج 2، ص 47.
(2) انظر: الطبري، تفسير الطبري، ج 22، ص 95.
(3) هو الحسن بن الحسين القاضي أبو علي بن أبي هريرة البغدادي أحد أئمة الشافعية، من أصحاب الوجوه، تفقه على ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، ودرّس ببغداد، وروى عنه الدارقطني وغيره، وتخرج به جماعة من الأصحاب. صنف التعليق الكبير على مختصر المزني. قال الإسنوي: وله تعليق آخر في مجلد ضخم، وهما قليلا الوجود. مات ببغداد في رجب سنة 345 هـ. انظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج 2، ص 127.
(4) النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 328.