المقصد الثالث
ما يدخل في عِداد القرائن من مواد المقال
كنا قد ارتضينا في الباب الثاني من هذه الدراسة أن قرينة الدلالة: هي ما اقترن بالخطاب فأثر على دلالته بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح.
والحق، أن هذا التعريف على الرغم من سلاسته وشموله إلا أنه موهم للخطأ، إذ أنه يدل، في ظاهره، على أن القرينة هي شيء خارج عن الخطاب نفسه، كأن تكون سياقا أو حالا، أي أنه لا يصح فيها أن تكون جزءا من الخطاب، أو بعبارة أدق، لا يصح فيها أن تكون مادة من مواد الخطاب الثلاث: المعجمية والصرفية والتركيبية. وهذا الأمر يتنافى مع الاستعمال الأصولي للقرينة الذي يجعلها، في كثير من الأحيان، جزءا من الخطاب نفسه. فانظر، مثلا، عند قولهم بأن المجاز لا بد له من قرينة، فإنك تجدهم لا يشترطون في القرينة أن تكون خارجة عن إطار الخطاب الذي اشتمل على المجاز، بل يجوز فيها ـ وهذا هو الغالب ـ أن تكون جزءا منه، كما في المثال الذي أورده القرافي مثلا: رأيت أسدا يجاهد في سبيل الله. فجملة الصفة (( يجاهد في سبيل الله ) )، مع أنها جزء من الخطاب، فهي قرينة دالة على أن المراد بـ (( أسدا ) )هو الرجل الشجاع لا الحيوان المفترس [1] .
ومن هنا، فقد كان من الأدق أن نعرِّف قرينة الدلالة بأنها: ما اقترن بالخطاب أو بجزء منه فأثر على دلالته بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو التفسير أو الترجيح. فهذا التعريف يصدق على القرائن الخارجية، كالسياق والحال، وعلى القرائن الداخلية، والتي قد تكون مادة من مواد المقال المعجمية أو الصرفية أو التركيبية.
بعد هذا التوضيح نأتي إلى بيان ما يصدق عليه مفهوم القرينة من مواد المقال، ومتى يكون ذلك، فنقول: إنه لمن المجازفة بمكان أن نزعم بأن ما سنقرره هاهنا هو بالفعل اصطلاح النحويين أو الأصوليين في القرينة؛ وذلك لأن مصطلح القرينة في لغتهم وإطلاقاتهم، وأعني بالذات الأصوليين، لم يكن ـ كما رأينا سابقا عند تعريف القرينة ـ من الوضوح والتحديد والدقة على درجة تمكِّننا من القول بأنه قد كان يُوجد في أذهان الأصوليين عموما خطٌّ فاصل يميز بين ما يدخل في عداد القرائن من مواد المقال وبين ما لا يدخل.
(1) انظر: القرافي، شرح المحصول،، ج 2، ص 893.